مفاوضات واشنطن، الجنوب اللبناني في قلب مشروع إعادة هندسة التوازنات الإقليمية
جوهر المقاربة الأميركية يقوم على تحويل القضية من قضية احتلال وعدوان وانتهاك مستمر للسيادة اللبنانية، إلى قضية مخاوف أمنية إسرائيلية تحتاج إلى ضمانات إضافية.
-
الجنوب اللبناني في قلب مشروع إعادة هندسة التوازنات الإقليمية (أرشيف)
لم تعد المفاوضات الجارية برعاية أميركية بين لبنان والكيان الإسرائيلي مجرد نقاش تقني حول ترتيبات أمنية أو إجراءات ميدانية مرتبطة بوقف إطلاق النار، بل باتت تشكل جزءاً من مسار سياسي أوسع تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الأهداف الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
فواشنطن لا تنظر إلى الجنوب اللبناني بوصفه مساحة تحتاج إلى الاستقرار فحسب، بل بوصفه عقدة استراتيجية في مشروع إعادة هندسة التوازنات في المشرق، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يخدم أمن "إسرائيل" ويؤسس لبيئة سياسية جديدة في لبنان.
من هنا، تبدو المفاوضات الحالية أبعد من كونها سعياً إلى تثبيت الهدوء على الحدود. فالمسألة تتعلق بمحاولة استثمار نتائج الحرب والضغوط الاقتصادية والسياسية لفرض وقائع جديدة على لبنان، تجعل من الجنوب ساحة خاضعة لمعادلات أمنية يحددها الاحتلال وحلفاؤه، فيما يُطلب من اللبنانيين التكيف معها تحت عناوين الاستقرار وإعادة الإعمار ومنع التصعيد.
إن جوهر المقاربة الأميركية يقوم على تحويل القضية من قضية احتلال وعدوان وانتهاك مستمر للسيادة اللبنانية، إلى قضية مخاوف أمنية إسرائيلية تحتاج إلى ضمانات إضافية. وبهذا الانتقال يجري قلب المشهد بالكامل؛ إذ يصبح المعتدي طرفاً يطالب بالأمن، بينما يُطلب من الطرف المعتدى عليه تقديم المزيد من التنازلات السياسية والأمنية.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما يُربط بمشاريع إقليمية أوسع تسعى إلى دمج "إسرائيل" في البنية السياسية والأمنية للمنطقة باعتبارها شريكاً طبيعياً، لا كياناً احتلالياً. فالمفاوضات الجارية لا تنفصل عن مسار إقليمي تقوده واشنطن منذ سنوات، هدفه تفكيك بؤر المقاومة وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين المحتلة بما يضمن تفوق "إسرائيل" لعقود مقبلة.
وفي هذا الإطار، يصبح الجنوب اللبناني أكثر من مجرد منطقة حدودية؛ إنه يمثل إحدى آخر الجبهات التي ما زالت تشكل عامل ردع فعلي في مواجهة المشروع الإسرائيلي. ولذلك فإن أي ترتيبات تُطرح اليوم لا تُقاس فقط بما تحققه من هدوء مؤقت، بل بما قد تؤدي إليه من تغييرات بعيدة المدى في موازين القوة ومعادلات الردع التي تشكلت عبر عقود من الصراع والتضحيات.
أما أهل الجنوب، الذين دفعوا أثمان الاحتلال والاعتداءات والحروب المتكررة، فيبدون الطرف الأكثر عرضة لتبعات هذه المقاربات. فالمفاوضات التي تُدار في العواصم البعيدة غالباً ما تنظر إلى الأرض باعتبارها ملفاً أمنياً أو ورقة تفاوضية، فيما تتجاهل أن الجنوب هو مجتمع حي له ذاكرة وتجربة وهوية سياسية صاغتها عقود من المقاومة والصمود.
لقد أثبتت التجربة أن أي استقرار حقيقي في الجنوب لا يمكن أن يقوم على تجاهل جذور الصراع أو على منح الاحتلال مكاسب سياسية لم يستطع انتزاعها بالحرب. فالسلام الذي يُبنى على اختلال موازين العدالة سرعان ما يتحول إلى هدنة هشة، فيما يبقى الاستقرار المستدام رهناً باحترام السيادة اللبنانية وإنهاء أسباب التوتر وفي مقدمتها الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس ماذا تريد واشنطن من هذه المفاوضات؟ بل ما هو الشكل الذي تريد الولايات المتحدة أن يكون عليه لبنان في مرحلة ما بعد الحرب؟ فكل المؤشرات تدل على أن الجنوب ليس سوى بوابة لمشروع أكبر، عنوانه إعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بما ينسجم مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازنات الوطنية وحقوق أهل الجنوب وتضحياتهم.
إن ما يجري في واشنطن ليس مجرد تفاوض حول الحدود أو الأمن، بل هو صراع على مستقبل لبنان ودوره وموقعه في معادلات المنطقة. وبين من ينظر إلى الجنوب باعتباره خط دفاع عن السيادة الوطنية، ومن يراه مجرد ملف قابل للتسوية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، تتحدد اليوم ملامح مرحلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث.