مفاوضات مسقط بين واشنطن وطهران: إدارة صراع أم إعادة تشكيل توازنات الإقليم؟
إذا أفضت الجولات المقبلة إلى تخفيف ملموس للعقوبات، فإن إيران لن تتغير جذرياً، بل ستصبح أكثر قدرة على توظيف عناصر قوتها في المنطقة.
-
مفاوضات مسقط.. ماذا لو حصل الاتفاق؟ (أرشيف).
لم تكن جولة المفاوضات غير المباشرة التي استضافتها مسقط بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثاً بروتوكولياً عابراً في سياق الصراع الممتد منذ أكثر من أربعة عقود، بل شكّلت محطة سياسية دقيقة تتقاطع عندها حسابات الردع، وأولويات الأمن الإقليمي، ومستقبل التوازنات في غرب آسيا.
فالمشهد لم يكن محصوراً بملف نووي، بل انفتح على أسئلة أوسع تتعلق بمكانة إيران في النظام الإقليمي، وبكيفية تعاطي واشنطن مع قوة إقليمية رسّخت حضورها رغم سنوات طويلة من العقوبات والضغوط.
غير أنّ قراءة أعمق لمسار مسقط تكشف أنّ المفاوضات ليست مجرد اتفاقات تقنية حول نسب التخصيب وآليات الرقابة، بل هي اعتراف ضمني بتحوّل استراتيجي فرضته الجمهورية الإسلامية بصلابتها وثباتها. إيران التي صمدت أمام أقسى العقوبات وطوّرت قدراتها الدفاعية والعلمية، لم تفاوض من موقع ضعف، بل من موقع قوة إقليمية فرضت واقعاً جديداً في غرب آسيا. لم تعد المسألة كيف يُقيّد البرنامج النووي، بل كيف تتعامل واشنطن مع واقع أثبت محدودية أدوات الضغط وفشلها أمام إرادة إيران واستقلالها.
الجولة التي قادها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، مقابل المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وبوساطة عُمانية هادئة، لم تكن دردشة دبلوماسية: بل مثّلت مرحلة نوعية في تعامل طهران مع واشنطن على أرضية تُقرّ بسيطرة إيران على خريطة القوة الإقليمية. وسائل الإعلام الإيرانية أشارت إلى أن إيران لم تدخل إلى طاولة المفاوضات بحثاً عن تنازل، بل بهدف إعادة تعريف قواعد التعامل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
تصريحات المسؤولين الإيرانيين وقراءات الصحف الرسمية في طهران كانت موحّدة في نقطة واحدة: إيران لا تفاوض من موقع ضعف، بل من موقع قوة بنت تحالفاتها، وعززت قدراتها العسكرية والصاروخية، وأثبتت أن ثقلها الإقليمي لم تُضعفه العقوبات الأميركية، بل أكسبها القدرة على فرض سياساتها الاستراتيجية وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
لذلك، الأجواء التي وُصفت بأنها "إيجابية وبنّاءة" لا تعني تراجعاً أو استرضاءً، بل تعكس اعتراف الطرف الآخر بواقع جديد فرضته إيران رغم ضغوط طويلة ومستمرة، الجولة في مسقط مثّلت نجاحاً دبلوماسياً لطهران، إذ استطاعت الجمهورية الإسلامية الحفاظ على حقها في متابعة مساراتها الاستراتيجية بشكل مستقل، مؤكدة من جديد أن مسقط كانت منصة حوار استطاعت فيها فرض حضورها وتوجيه مجرى النقاش بما يخدم مصالحها.
أولاً: النووي الإيراني: مدخل للحوار وليس غاية للتنازل
تمحور النقاش حول البرنامج النووي الإيراني وملف العقوبات الاقتصادية. طهران شددت، وفق تصريحات مسؤوليها على أن هدفها واضح: تثبيت حقها في برنامج نووي سلمي ضمن الأطر القانونية الدولية، مقابل رفع فعلي للعقوبات التي أثّرت بعمق على الاقتصاد الإيراني منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018.
لكن قراءة المشهد تكشف أن الملف النووي تحوّل خلال السنوات الماضية إلى عنصر ردع سياسي بقدر ما هو مشروع تقني. إيران طوّرت قدراتها في تخصيب اليورانيوم، وعززت معرفة علمية وبنية تحتية متقدمة، ما جعل العودة إلى نقطة الصفر أمراً غير واقعي. من هنا، فإن أي تفاوض اليوم ينطلق من واقع مختلف عمّا كان عليه قبل عقد.
في المقابل، تسعى واشنطن إلى ضمانات تقنية تقيّد مسارات التخصيب وتعيد مستويات الرقابة، في إطار يجنّبها الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. غير أن الإدارة الأميركية تدرك أيضاً أن سياسة "الضغط الأقصى" لم تحقق أهدافها السياسية الكبرى، وأن إيران لم تتراجع استراتيجياً رغم الخسائر الاقتصادية.
ثانياً: فصل المسارات... جوهر الخلاف
أحد أبرز معالم الجولة كان الإصرار الإيراني على حصر التفاوض في الملف النووي ورفع العقوبات، ورفض إدراج برنامج الصواريخ الباليستية أو السياسات الإقليمية كملفات للنقاش، هذا يعكس رؤية استراتيجية دقيقة: فالقوى الصاروخية وشبكة التحالفات الإقليمية تشكل ركائز أساسية لمنظومة الردع الإيرانية، وليست عرضة للمقايضة.
من منظور طهران، فإن التجربة الإقليمية خلال السنوات الماضية أثبتت أن امتلاك عناصر ردع متعددة مكّنها من الصمود أمام محاولات فرض ضغوط أحادية الجانب. لذلك، ترى القيادة الإيرانية أن أي اتفاق لا يمس هذه الركائز يحافظ على التوازن الاستراتيجي القائم، بل قد يعززه إذا ترافق مع تخفيف القيود الاقتصادية.
ثالثاً: "إسرائيل" بين خيارين أحلاهما مرّ
القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بمسألة العقوبات أو نسب التخصيب، بل بطبيعة اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة. فـ"تل أبيب" بنت استراتيجيتها لسنوات على فرضية أن الضغوط الاقتصادية والسياسية كفيلة بإضعاف إيران تدريجياً أو دفعها إلى تنازلات جوهرية.
غير أن السنوات الماضية أظهرت مساراً مغايراً: إذ استمرت طهران في تطوير صناعاتها الدفاعية، ورفعت من مستوى اعتمادها على التكنولوحيا المحلية، وعززت شبكة تحالفاتها الإقليمية. وبالتالي، فإن أي تفاهم يخفف القيود الاقتصادية من دون المساس بهذه البنية الردعية، قد يُفسَّر في "إسرائيل" على أنه تثبيت لمعادلة قوة جديدة يصعب تغييرها لاحقاً.
التجربة الإسرائيلية السابقة تؤكد أن العمليات الأمنية المحدودة أو الضربات الموضعية لم تغيّر المعادلة الاستراتيجية. كما أن الرهان على انهيار داخلي نتيجة العقوبات لم يتحقق بالشكل الذي توقّعه بعض صناع القرار في الغرب. على العكس، تمكنت إيران من تطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز اعتمادها على القدرات المحلية في مجالات حساسة. هذا الواقع يضع "إسرائيل" أمام معادلة دقيقة: فهي تفضّل اتفاقاً يقيّد كل عناصر القوة الإيرانية، لكنها قد تجد نفسها أمام تفاهم يركّز فقط على النووي، ما يعني تثبيت واقع إقليمي تعدّه مقلقاً.
رابعاً: الداخل الإيراني.. عامل ثابت
في موازاة الحراك الدبلوماسي، يشكل الداخل الإيراني عنصراً أساسياً في قراءة المشهد. خلال السنوات الأخيرة، واجهت الجمهورية الإسلامية تحديات اقتصادية وضغوطاً معيشية واضحة، إلى جانب توترات أمنية متفرقة. ومع ذلك، بنية الدولة بقيت متماسكة، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية واصلت تطوير قدراتها.
الخطاب الرسمي الإيراني يركّز على مفهوم "الاقتصاد المقاوم"، أي تقليص الاعتماد على الخارج وبناء شبكات تبادل بديلة، سواء عبر الانفتاح على الشرق أو عبر تعزيز الانتاج المحلي. ورغم استمرار التحديات، فإن طهران ترى أن تجاوز مرحلة العقوبات القصوى من دون انهيار استراتيجي يُعدّ بحد ذاته مؤشراً على قدرة النظام على الصمود.
المسيرات الحاشدة التي تُنظّم سنوياً في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، ومنها فعاليات 11 شباط، تحمل بعداً رمزياً في هذا السياق. فهي تُقدَّم داخلياً بوصفها تجديداً للشرعية الشعبية ورسالة بأن الضغوط الخارجية لم تفكك البنية السياسية للدولة. وبغضّ النظر عن القراءات المختلفة لهذه الحشود، بين من يراها تعبيراً تلقائياً عن التأييد ومن يعتبرها فعالية رسمية الطابع، فإنها تبقى جزءاً من مشهد تعبوي منظم، يعكس قدرة الدولة على الحشد وإظهار حضورها في تنظيم المجال العام.
خامساً: البعد العسكري والسياسة... توزيع الأدوار في رؤية واحدة
تصريحات قادة حرس الثورة والجيش الإيراني خلال الأشهر الأخيرة ركّزت على الجهوزية العالية، وعلى تطوير منظومات صاروخية وبحرية وجوية متقدمة. إيران استثمرت بشكل واضح في القدرات النوعية والمتباينة، من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ بعيدة المدى، ما منحها هامش رد واسعاً ضد خصوم متفوقين تقنياً.
في الحسابات الاستراتيجية، يشكّل هذا الردع عاملاً أساسياً في حماية المسار الدبلوماسي نفسه. فالتفاوض في ظل توازن قوى مختلفة يمنح طهران قدرة أكبر على التمسك بشروطها. ومن هنا، فإن الفصل بين المسار العسكري والمسار السياسي ليس فصلاً فعلياً بقدر ما هو توزيع أدوار داخل رؤية شاملة.
سادساً: واشنطن وإدارة الأولويات
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تأتي مفاوضات مسقط في سياق إقليمي ودولي معقّد: حرب في أوكرانيا، توترات في شرق آسيا، واستحقاقات داخلية أميركية. إدارة صراع طويل مع إيران عبر القنوات الدبلوماسية قد يكون خياراً أقل تكلفة من الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة.
لكن واشنطن تدرك جيداً أن أي اتفاق لا يحظى بقبول حلفائها الإقليميين سيواجه انتقادات داخلية وخارجية. لذلك، من المرجح أن تختار صيغة تدريجية، يتم فيها تبادل بعض التنازلات بين الطرفين، من دون إعلان اتفاق شامل يعيد إنتاج تجربة 2015 بكل تفاصيلها.
سابعاً: بين إدارة الصراع وإعادة تشكيله
الأهم في مسار مسقط، هو أن التفاوض جرى في ظل معادلة ردع متبادلة أصبحت أكثر وضوحاً. إيران راكمت خلال العقد الأخير منظومة متنوعة من أدوات القوة: برنامج نووي متقدم تقنياً، قدرات صاروخية متطورة، حضور إقليمي مؤثر، وانفتاح متزايد على قوى دولية كبرى. هذه العناصر مجتمعة لم تعنِ غياب التحديات، لكنها جعلت أي محاولة تقوم على فرض إملاءات خارجية أمراً صعباً. ومن هنا، بدا المسار الدبلوماسي أقرب إلى إدارة توازن قائم منه إلى محاولة إعادة هندسته بالكامل.
بالإضافة، أظهرت قراءة جادة للمسار أن إيران لم تفاوض فقط لتخفيف الضغوط، بل لترسيخ واقع جديد يعترف بمكانتها الدولية. دخلت الجولة بحزم ووضوح، مستخدمة التفاوض كأداة استراتيجية لإظهار قوتها ورفع قيمة أوراقها في أي حوار مستقبلي.
ثامناً: الخلاصة الاستراتيجية
في المحصلة، تكشف مفاوضات مسقط أن الصراع لم يعد يدور حول شرعية برنامج نووي فحسب، بل حول الاعتراف بواقع إقليمي جديد. فإذا أفضت الجولات المقبلة إلى تخفيف ملموس للعقوبات، فإن إيران لن تتغير جذرياً، بل ستصبح أكثر قدرة على توظيف عناصر قوتها في المنطقة.
أما "إسرائيل"، فستجد نفسها أمام خيار التكيّف مع توازن مستقر نسبياً، أو المجازفة بمسار تصعيدي غير مضمون النتائج. وفي كل الأحوال، زمن التعامل مع إيران بوصفها لاعباً يمكن عزله أو تطويقه بسهولة قد تراجع، لتحل مكانه مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها إدارة التوازن لا كسره.