ما يسمى "قوائم الإرهاب" : نظام أميركي للعالم

هل يحق لدولة أن تضع من جانب واحد قائمة، ثم تجعل آثارها تتحكم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأشخاص ومنظمات في دول أخرى؟ الجواب العملي للولايات المتحدة هو: نعم.

  •  رفض القائمة يعني النضال (أرشيف).
     رفض القائمة يعني النضال (أرشيف).

في 26 آب/أغسطس، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية حركة المسار الثوري الفلسطيني البديل (المسار البديل) على قائمة الأشخاص والمنظمات الخاضعة للعقوبات. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصعيد سبق أن استهدف بشكل فردي أعضاء في اللجنة التنفيذية للحركة، من بينهم خالد بركات ومحمد الخطيب وكاتبة هذه السطور، خالدية أبو بكرة.

الأسماء ضرورية لتوضيح ما حدث، لكن المشكلة الحقيقية ليست في الأسماء. *المشكلة هي القوائم، والسلطة التي يُراد ممارستها من خلالها.* هذه القضية ينبغي لها أن تهم حتى من لم يسمع من قبل بحركة المسار البديل، أو لا يتفق مع مواقفنا السياسية، أو لا يعرف الكثير عن الواقع الفلسطيني. لأن ما هو مطروح هنا يمكن فهمه ببساطة: هل يحق لدولة أن تضع من جانب واحد قائمة، ثم تجعل آثارها تتحكم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأشخاص ومنظمات في دول أخرى؟ الجواب العملي للولايات المتحدة هو: نعم.

قرار أميركي .. عواقب دولية

لا تتوقف قوة العقوبات الأميركية عند حدود الولايات المتحدة. فقدرتها على التأثير تستند، من بين عوامل أخرى، إلى ثقل الدولار والنظام المالي الأميركي، وإلى الانتشار العالمي لشركات تخضع للقوانين الأميركية، وإلى آليات العقوبات الثانوية التي يمكن أن تهدد أطرافاً في دول أخرى بعواقب إذا تعاملت مع الجهات المستهدفة.

والإعلان الصادر عن وزارة الخزانة بشأن إدراج المسار البديل يحذر صراحة من خطر التعرض لعقوبات ثانوية. لكن هناك أيضاً آلية أخرى أقل وضوحاً وشديدة الفعالية: **الخوف من التعرض للعقوبات.** قد يقرر بنك أن إغلاق حساب أكثر أماناً من دراسة ما إذا كانت المعاملات المعنية محظورة فعلاً. وقد تقيد منصة ما خدماتها. وقد تلغي مؤسسة فعالية. وقد ترفض شركة الاستمرار في علاقة معينة. وقد تقرر منظمة أن التواصل مع أشخاص محددين سيجلب لها مشكلات لا تريد تحملها. وهذا ما يُعرف بـ«الإفراط في الامتثال»: أي اتخاذ إجراءات تتجاوز ما تفرضه العقوبات نفسها بهدف تجنب أي مخاطرة محتملة. وهكذا يمتد تأثير القائمة إلى ما هو أبعد بكثير من الأشخاص والجهات المدرجة فيها رسمياً.

تُكتب القائمة في واشنطن، لكنها تحتاج إلى آخرين ينفذونها حتى تتحول إلى حدود سياسية عالمية.

العزل والحصار هو العقوبة

هذه المسألة توضح لماذا لا تمثل "القوائم" مشكلة لمن أُدرجوا فيها وحدهم. فقوتها تعتمد أيضاً على من لم تُدرج أسماؤهم فيها. حين يغلق بنك حساباً، أو يمتنع إعلامي عن إجراء مقابلة، أو تلغي جامعة ندوة سياسية، أو تقطع نقابة علاقتها، أو تقرر منظمة اجتماعية عدم التعاون مع جهة ما خوفاً من العواقب، تكون العقوبة قد وسعت نطاقها من دون الحاجة إلى إضافة اسم واحد جديد إلى القائمة. والنتيجة ليست اقتصادية فحسب، إنها سياسية. يتشكل حول الأشخاص والمنظمات المستهدفة فضاء من الشبهة قد يؤثر في نهاية المطاف على حقهم في التعبير والتنظيم والاجتماع وبناء العلاقات السياسية. وهنا تظهر مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً، فالقائمة لا تستطيع أن تتحول إلى عزل اجتماعي وسياسي إلا عندما يقبل عدد كافٍ من الأشخاص والمؤسسات بممارسة هذا العزل.

 السؤال الذي نادراً ما نطرحه

عند الإعلان عن عقوبات جديدة، نسارع عادة إلى السؤال: من الذي فُرضت عليه العقوبات؟ ماذا فعل؟ ماذا يقول؟ هل نتفق مع هذا الشخص أو هذه المنظمة؟ هذه أسئلة مشروعة، لكن يجب  أن لا تكون الأسئلة الوحيدة. فهناك سؤال يسبقها: **من منح واشنطن الحق في تحويل قراراتها السياسية الأحادية إلى آليات ذات تأثير دولي؟** هذه ليست مسألة نظرية. لقد تسبب التطبيق العابر للحدود للعقوبات الأميركية في خلافات حتى بين الولايات المتحدة وحلفائها. فمنذ عام 1996، يحتفظ الاتحاد الأوروبي بآليات تهدف إلى حماية جهات أوروبية من آثار بعض القوانين الأجنبية ذات التطبيق خارج حدود الدولة التي أصدرتها. وتؤكد المفوضية الأوروبية نفسها أن الاتحاد لا يعترف بهذا التطبيق العابر للحدود، وأنه يعتبر آثاره مخالفة للقانون الدولي.

كما وثقت الأمم المتحدة آثار العقوبات الثانوية والإفراط في الامتثال، بما في ذلك ميل الشركات والمؤسسات إلى فرض قيود تتجاوز ما تتطلبه التدابير رسمياً. إذاً، هناك نقاش دولي حقيقي حول حدود هذه السلطة، ويجب توسيع هذا النقاش.

 من الاستثناء إلى النظام

عادة ما تُبرر الإجراءات الاستثنائية بحالات تُقدم على أنها استثنائية. هذا الشخص يمثل تهديداً. هذه المنظمة مختلفة. هذه الظروف تتطلب إجراءات استثنائية. ثم يأتي الاسم التالي، ثم اسم آخر. وبالتدريج، يتحول ما كان يفترض أن يكون استثناءً إلى بنية دائمة. لهذا السبب لا يكفي أن نواجه كل إدراج على حدة. قد ننجح غداً في إزالة اسم من قائمة، لكن إذا بقيت الآلية التي تسمح بمد آثار هذه القرارات إلى دول أخرى كما هي، فلن تفعل المشكلة سوى العثور على اسم جديد. **المسألة ليست فقط من يوجد على القائمة، بل مقدار السلطة التي نحن مستعدون لمنحها لمن يضعها.**

 فلسطين وسلطة الجلاد

في الحالة الفلسطينية، هناك تناقض آخر يصعب تجاهله. تقدم الولايات المتحدة هذه العقوبات بلغة الأمن ومكافحة الإرهاب، لكن واشنطن ليست حكماً محايداً في القضية الفلسطينية. إنها القوة السياسية والعسكرية والدبلوماسية الرئيسية التي تدعم النظام الصهيوني. فهي توفر السلاح والتعاون العسكري والحماية السياسية، بينما يواصل شعبنا مواجهة الإبادة الجماعية في غزة، والاستعمار الاستيطاني، والتهجير، والقتل والاعتقال في سائر فلسطين.

والتناقض واضح: **من يسلّح المستعمِر ويحميه يريد أيضاً أن يحتفظ لنفسه بحق تحديد أي أشكال مقاومة الاستعمار مشروعة وأيها ليست كذلك.** تأسست حركة المسار الثوري الفلسطيني البديل عام 2021 نتيجة مسار أطلقه فلسطينيون وفلسطينيات رفضوا أن تكون اتفاقيات أوسلو قد أغلقت الباب أمام حق ملايين الفلسطينيين في الشتات في المشاركة السياسية في قضيتهم الوطنية. الفلسطينيون الذين يعيشون في مخيمات اللجوء، وفي البلدان العربية وأوروبا والأميركتين وغيرها من أنحاء العالم، ليسوا متفرجين على فلسطين. **إنهم جزء من الشعب الفلسطيني، ومن حقهم أن ينظموا أنفسهم سياسياً على هذا الأساس.** لكنْ هناك أمر مهم: رفض القوائم الأميركية لا يتطلب الاتفاق مع هذا الموقف.

 ليس ضرورياً أن تتفقوا معنا

يجب أن يكون هذا المبدأ في صلب أي رد دولي على العقوبات. ليس ضرورياً أن تتفقوا مع المسار البديل لكي ترفضوا العقوبات المفروضة عليه. وليس ضرورياً أن تتبنوا مواقفنا بشأن فلسطين، أو أن تنتموا إلى تيارنا السياسي، بل ليس ضرورياً حتى أن تتعاطفوا معنا. يمكن لعضو في البرلمان أن يسأل عما يحدث لسيادة بلاده السياسية.

ويمكن لقانوني أن يقلق بشأن الضمانات القانونية والحق في الدفاع. ويمكن لصحفي أن يتساءل عما إذا كان ينبغي لقرار إداري أجنبي أن يحدد من يستطيع إجراء مقابلة معه. ويمكن لجامعة أن تدافع عن استقلاليتها. ويمكن لنقابة أن تدافع عن حقها في إقامة علاقات مع منظمات في دول أخرى. ويمكن لأي مواطن أن يتساءل لماذا يجب أن تكون الحريات السياسية في مجتمعه مشروطة بقرارات تتخذها حكومة أجنبية. **لسنا بحاجة إلى أن نفكر بالطريقة نفسها لكي نجيب عن هذه الأسئلة.**

لغة القوة

لا يمكن فصل هذا النقاش عن قضية أوسع. فالسلطة الإمبريالية نادراً ما تقدم نفسها بوصفها سلطة إمبريالية. تُقدَّم القواعد العسكرية والتعاون العسكري باعتبارهما أمناً. ويُقدَّم استخراج الموارد الاستراتيجية والسيطرة عليها باعتبارهما تنمية. ويُقدَّم التدخل السياسي باعتباره دفاعاً عن الاستقرار. وتُقدَّم العقوبات باعتبارها أدوات تقنية تهدف إلى حماية النظام.

أما الذين يتحدون هذا النظام فيتحولون إلى «تهديد». تتغير البلدان، وتتغير المبررات، ويتغير الخصوم أيضاً. لكن بالنسبة لمن يتحملون نتائج هذه السياسات، غالباً ما تكون النتيجة مزيداً من السيطرة على مجتمعاتهم ومواردهم وعلاقاتهم السياسية وقدرتهم على اتخاذ قراراتهم بصورة سيادية. ولهذا، فإن هذا النقاش لا يخص فلسطين وحدها. **إنه يخص كل من يرفض نظاماً دولياً يمكن فيه تحويل القوة الاقتصادية لدولة واحدة إلى سلطة سياسية على الآخرين.**

 رفض القائمة يعني النضال

لا يكفي، إذاً، إعلان التضامن مع من فُرضت عليهم العقوبات. **يجب منع القائمة من التحول إلى عزل.** على الحكومات والبرلمانات أن تعترض على التطبيق العابر للحدود للعقوبات الأحادية. وعلى القانونيين ومنظمات الحقوق والحريات أن يدرسوا آثارها على الحريات العامة والسياسية، وأن يطالبوا بضمانات في مواجهة قرارات إدارية تمتد آثارها إلى ما وراء حدود الدولة التي تتخذها. وعلى وسائل الإعلام ألا تتعامل مع قرار إداري بوصفه معادلاً لحكم قضائي. وعلى البنوك والشركات والمنصات أن تتحمل مسؤولية قراراتها، وأن توضح متى يكون القيد ناتجاً بالفعل عن التزام قانوني، ومتى يكون مجرد نتيجة للخوف أو الإفراط في الامتثال.

وعلى الحركات الاجتماعية والنقابات والمنظمات الشعبية والمثقفين والقوى السياسية أن ترفض السماح لهذه القوائم بأن تحدد تلقائياً مع من يمكنها الحديث أو الاجتماع أو التنظيم. هذا لا يعني تجاهل القوانين، بل يعني رفض تحويل قرار أميركي، طوعاً، إلى حكم عالمي. فهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط ضعف هذه الآلية: **إذا كان العزل يحتاج إلى متعاونين لتنفيذه، فإن كسر العزل يحتاج إلى تضامن منظم.**

 هذه المعركة لا تخص من أُدرجوا على القوائم وحدهم

العقوبات ضد المسار البديل حالة محددة، لكن القضية التي تطرحها عالمية. لذلك، يجب أن لا يقتصر ردنا على المطالبة بإزالة اسم المسار البديل من القائمة، ولا ينبغي أن يقتصر أيضاً على الدفاع عمن أُدرجت أسماؤهم فيها اليوم. يجب أن نطعن في الآلية التي تسمح بوضع هذه القوائم ومد آثارها إلى بقية العالم. ويجب أن ندافع عن حق الشعوب ومنظماتها في بناء علاقاتها السياسية بنفسها.

ويجب ألا نسمح للخوف بأن يحول مجتمعاتنا إلى منفذين طوعيين لقرارات اتُخذت خارجها. ويجب أن نبني تضامناً دولياً قادراً على تجريد القائمة مما يمنحها قوتها الحقيقية: **استعداد الآخرين للامتثال لها.** هذه المعركة لا تخص من فُرضت عليهم العقوبات وحدهم. إنها معركة كل من يرفض أن تقرر قوة واحدة نيابة عن بقية العالم من يحق له أن يتكلم وينظم نفسه ويقاوم ويوجد سياسياً. اليوم، الاسم المكتوب على القائمة هو المسار البديل. وغداً سيكون اسماً آخر. السؤال ليس فقط: من سيكون التالي؟ بل كم منا سيرفض الصمت عندما يحين ذلك الوقت؟