لبنان... من حرب الميدان إلى حرب الاستنزاف
لبنان في قلب صراع إقليمي متصاعد، وضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية تهدف إلى تغيير معادلة المقاومة والداخل اللبناني.
-
لبنان... من حرب الميدان إلى حرب الاستنزاف
لم يعد المشهد اللبناني منفصلًا عن التحولات المتسارعة في المنطقة، كما لم يعد بالإمكان قراءة ما يجري في لبنان باعتباره أزمة داخلية أو مواجهة محدودة بين طرفين. فلبنان يقف اليوم في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع المشاريع الدولية، وتتقاطع فيها المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي مع صراع أوسع على شكل المنطقة ومستقبل توازناتها.
ومن هذه الزاوية، تبدو التطورات التي شهدها لبنان منذ حرب عام 2024 وما تلاها أكثر من مجرد جولات عسكرية أو سياسية متفرقة. فالمقاومة تمكنت، وفق مسار الأحداث، من تجاوز مرحلة الاختبار التي فُرضت عليها، وأثبتت أن الحرب لم تنجح في إنهاء قدرتها على المبادرة، ولا في إسقاط بنيتها أو إلغاء حضورها في معادلة الردع.
لكن المرحلة الراهنة تبدو أكثر حساسية، لأن المواجهة لم تعد تدور في الميدان العسكري وحده. هناك محاولة لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية المحيطة بالمقاومة، والضغط على لبنان من أكثر من اتجاه، بهدف دفعه إلى تقديم تنازلات تتجاوز ما عجزت القوة العسكرية عن فرضه.
المعادلة الأساسية أن لبنان يواجه ضغطًا متزامنًا: تهديدًا إسرائيليًا مستمرًا، وضغوطًا أميركية، وأزمة اقتصادية خانقة، ومحاولات لإعادة ترتيب الداخل اللبناني بما يخدم تصورًا جديدًا للمنطقة. ولذلك لم يعد السؤال فقط: هل يستطيع لبنان مواجهة الاعتداء؟ بل أيضًا: هل يستطيع الحفاظ على خياراته السيادية وسط هذا الحجم من الضغوط؟
في صلب هذه المواجهة تأتي المقاومة التي تخوض معركة لا تتعلق بالسلاح وحده، وإنما بالحفاظ على مفهوم الردع نفسه.
فالاحتلال الإسرائيلي يدرك أن أي مواجهة جديدة مع لبنان لن تكون بالضرورة نسخة عن الحرب السابقة، كما يدرك أن استمرار المقاومة في ترميم قدراتها وإعادة بناء جاهزيتها يجعل محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة أكثر صعوبة.
ولهذا يمكن فهم التصعيد السياسي والإعلامي والعسكري المتدرج باعتباره جزءًا من معركة أكبر: معركة استنزاف طويلة تهدف إلى إنهاك البيئة الحاضنة للمقاومة، وتحميل لبنان أثمانًا اقتصادية واجتماعية وسياسية، بحيث يصبح الضغط الداخلي عاملًا مكملًا للضغط الخارجي.
وهنا تظهر خطورة المرحلة. فالمطلوب، وفق مسار الأحداث، ليس فقط إضعاف المقاومة عسكريًا، بل تحويل معادلة الصراع تدريجيًا من مواجهة مع الاحتلال إلى أزمة لبنانية داخلية حول سلاح المقاومة ودورها وخياراتها. وهذا التحول، إذا نجح، يعني نقل المعركة من الميدان إلى ساحات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدًا.
ومن هنا تكتسب المعركة في لبنان أهمية تتجاوز حدوده. فالاحتلال الإسرائيلي لا ينظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها جبهة منفصلة، بل كجزء من منظومة إقليمية تؤثر في نتائج أي مواجهة مقبلة. وكذلك فإن الولايات المتحدة تتعامل مع الملف اللبناني كجزء من صراع أوسع على النفوذ وترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يصبح الضغط الاقتصادي إحدى أهم أدوات المواجهة غير العسكرية. فالاقتصاد اللبناني المنهك يشكل نقطة ضعف قابلة للاستثمار السياسي، وكلما ارتفع مستوى الضغط الاقتصادي، ازدادت محاولات تحميل المقاومة مسؤولية الأزمة، بدل النظر إلى العوامل البنيوية والتدخلات الخارجية التي أسهمت في إنتاجها.
كما أن دخول عوامل إقليمية جديدة على خط المواجهة يزيد المشهد تعقيدًا. فالمعادلة لم تعد محصورة بين لبنان و"إسرائيل"، بل باتت مرتبطة بصورة أوضح بالموقف الأميركي من إيران، وبمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، وبمحاولات إعادة ترتيب أدوار دول المنطقة، بما فيها تركيا وسوريا ودول الخليج.
ومن هنا يمكن فهم أهمية العامل الإيراني في هذه المرحلة. فكلما ارتفع مستوى الضغط الأميركي على إيران، ازدادت احتمالات انعكاس ذلك على ساحات المنطقة، ومنها لبنان. وفي المقابل، فإن أي تفاهم مؤقت بين واشنطن وطهران يمكن أن يخفف مستوى التصعيد في بعض الجبهات، لكنه لن يلغي أسباب الصراع الأساسية.
في المقابل، يحاول الاحتلال الإسرائيلي استثمار المرحلة لتغيير قواعد الاشتباك، ليس بالضرورة عبر حرب شاملة، وإنما من خلال عمليات ضغط متدرجة وتهديدات وضربات محسوبة ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض. غير أن أي تصعيد يتجاوز حدودًا معينة قد يعيد فتح الجبهات بصورة يصعب التحكم في مسارها.
وهنا تكمن أهمية معادلة الردع. فالمطلوب من المقاومة في المرحلة الحالية ليس فقط الرد على الاعتداءات، بل الحفاظ على قدرة الردع التي تمنع الاحتلال من الاعتقاد بأن بإمكانه فرض ما يريد من دون كلفة. وفي الوقت نفسه، فإن لبنان الرسمي أمام اختبار صعب، لأن أي مقاربة لا تستند إلى حماية السيادة اللبنانية والاستفادة من عناصر القوة المتاحة قد تتحول عمليًا إلى تنازل أمام الضغوط الخارجية.
لقد أثبتت التجربة أن لبنان لا يستطيع أن يعيش في منطقة مستقرة. كما أثبتت أن محاولة فصل لبنان عن الصراع الإقليمي ليست واقعية. المطلوب إدارة المرحلة بحكمة ووعي، والحفاظ على وحدة الداخل، ومنع تحويل الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي يخدم خصوم لبنان أكثر مما يخدم اللبنانيين.
المعركة المقبلة، إذا وقعت، لن تكون بالضرورة حربًا تقليدية. قد تكون حرب استنزاف طويلة، تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي والإعلامي، وتستهدف الوعي والبيئة الاجتماعية بقدر ما تستهدف المواقع العسكرية. وهذا النوع من الحروب قد يكون أكثر تعقيدًا من الحرب المباشرة، لأنه لا يعلن بدايته بوضوح ولا ينتهي بتوقيع اتفاق واضح.
ولذلك يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية: إما أن ينجح في تحويل عناصر القوة التي راكمها إلى مظلة لحماية استقراره وسيادته، وإما أن تسمح الضغوط المتراكمة بتفكيك هذه العناصر واحدًا بعد آخر.
وفي النهاية، فإن جوهر الصراع لا يتعلق فقط بسلاح المقاومة أو بمستقبل جبهة الجنوب، بل بمن يمتلك القدرة على رسم قواعد المرحلة المقبلة في المنطقة. فمحاولات نقل الحرب من مواجهة عسكرية إلى حرب سياسية واقتصادية وفكرية تعني أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيدًا.
وما يجري في لبنان اليوم قد يكون اختبارًا مبكرًا لشكل الشرق الأوسط المقبل: هل يُفرض عبر الضغط والتهديد وتغيير الوقائع، أم تتشكل معادلة إقليمية جديدة تعترف بتوازن القوى وتدفع الجميع إلى البحث عن قواعد أكثر استقرارًا؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية لبنان؛ فهو ليس هامشًا في المعركة الإقليمية، بل أحد ميادينها الأساسية، وأي محاولة لتغيير معادلته الداخلية ستبقى مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالصراع الأكبر على مستقبل المنطقة.