كيف أعادت أنصار الله رسم جغرافية البحر الأحمر؟
السيطرة على باب المندب لم تكن مجرّد كسب جغرافي محلي، بل أتمت لوحة الردع الهجومي الإيراني، محوّلة إيران إلى قوة محورية تمسك بأهمّ مفاتيح الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة من الخليج إلى قناة السويس.
-
تمنح السيطرة في باب المندب طهران قدرة فائقة على المناورة الشطرنجية (أرشيف).
تعدّ التطوّرات الميدانية البحرية والسيطرة على الجزر الحاكمة في الساحل الغربي لليمن ثورة في الأبعاد الجيوسياسية والتوازنات البحرية لمشهد الشرق الأوسط، إذ أدّت السيطرة الفعلية وقدرة التحكّم بالنيران التي فرضتها حركة أنصار الله على مضيق باب المندب وجزر الأرخبيل إلى تغيير حادّ في معادلات أمن الطاقة والتجارة المائية الدولية، ولم يعد هذا التحوّل مجرّد حدث يمني محلي، بل أرسى معادلة استراتيجية جديدة أصبحت فيها إيران القوة الإقليمية الأبرز والأكثر قدرة على التهديد والتأثير الجيو-اقتصادي العالمي عبر الإمساك بملاقط النيران المزدوجة.
تكمن الأهمية الجيواستراتيجية لجزيرتي زقر ومبون في موقعهما الحاكم على مسارات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، حيث تتجاوز قيمتهما المساحة الجغرافية لتصل إلى التأثير المباشر في أمن المضيق، وقد استطاعت حركة أنصار الله فرض سيطرتها واستغلال هذا الموقع الحيوي بفضل تشتّت الفصائل المدعومة من التحالف السعودي الإماراتي، وخضوع تلك القوى لقرارات غير مركزية وصراعات بينية ناتجة عن تضارب أجندات داعميها، وهو ما أضعف موقف تلك الفصائل ميدانياً ورسّخ مكانة أنصار الله كقوة أساسية وحاسمة في المعادلة اليمنية.
تعتبر مضايق البحار حلقة الوصل الأهمّ في كفاءة سلاسل الإمداد، ويمرّ عبر باب المندب عادة نحو 12% من إجمالي حجم التجارة العالمية المنقولة بحراً، و11% من تجارة النفط، و8% من الغاز الطبيعي المسال، وقد فرضت العمليات المباشرة للحوثيين واقعاً جديداً ثبّتته التقارير الصادرة عن أعرق المؤسسات الدولية والأبحاث البحرية.
أكّدت مؤسسة لويدز ليست إنتليجنس (Lloyd's List Intelligence) ومعهد السلام الدولي (International Peace Institute) في تقارير حديثة أنّ الهجمات البحرية أجبرت كبرى شركات الشحن العالمية مثل ميرسك (Maersk) وأم أس سي (MSC) على تجنّب الممر وتحويل مسارات السفن حول قارة أفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، هذا التحوّل كلّف القطاع اللوجستي من 10 إلى 15 يوماً إضافية لكلّ رحلة بين آسيا وأوروبا، مع ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة تكاليف الشحن وتضاعف أقساط تأمين مخاطر الحرب (War Risk Premiums) الصادرة عن هيئات التأمين اللندنية بعد تصنيف الممرّ كمنطقة مخاطر عالية.
كما تسبّبت التهديدات في انخفاض حادّ للعبور نحو قناة السويس، حيث أظهرت التقديرات الرسمية في نيسان/أبريل 2026 تراجع الإيرادات وتكبّد خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار نتيجة لتراجع عدد السفن المارة والتخوّفات الاقتصادية اللاحقة.
وعلى الصعيد العسكري، أكّد معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS) أنّ استخدام الترسانة البحرية غير المتناظرة، والتي تشمل الصواريخ الباليستية المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق المفخّخة، خلق مفهوماً يسمّى المنع البحري (Sea Denial)، وهو ما مكّن طرفاً إقليمياً غير حكومي من إحداث شلل نصفي للتجارة البحرية وتحدّي التحالفات البحرية العسكرية المسلحة بأحدث التقنيات الدفاعية.
تحلّل دراسات مركز الأبحاث الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies) الواقع الجديد بتوصيفه أنه انتقال استراتيجي من قوس الأزمات السياسي إلى قوس المضايق الاستراتيجية.
الواقع العملي يؤكّد أنّ إيران باتت بالفعل الأقوى جيوسياسياً من أيّ وقت مضى، نظراً لامتلاكها ورقتي ضغط مائيتين تشكّلان معاً نظام ردع جيو-اقتصادي شاسعاً يمتدّ من الخليج وصولاً إلى البحر الأحمر، وتتمثّل الورقة الأولى في مضيق هرمز، من خلال قبضتها المباشرة عبر سلاح البحرية التابع لحرس الثورة الإيراني (IRGC) على المضيق الذي ينساب عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، بينما تتمثّل الورقة الثانية في مضيق باب المندب، عبر نفوذها واستثمارها في حليفها الوثيق حركة أنصار الله في اليمن، والتي تسيطر عملياً على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
لم تعد طهران بحاجة لتجهيز أساطيل تقليدية ضخمة لمواجهة القوى العظمى، إذ إنّ التأثير المزدوج على مضيقي هرمز وباب المندب يمنحها القدرة على التحكّم بنحو 25% إلى 30% من إجمالي حركة النفط الشراعية عالمياً، وأيّ توتر في أحد المضيقين يمكن أن يمتد تلقائياً للمضيق الآخر، مما يرفع أسعار الطاقة، ويلحق أضراراً سريعة بمعدّلات التضخّم في الأسواق الغربية.
تمنح السيطرة في باب المندب طهران قدرة فائقة على المناورة الشطرنجية، فهي تمارس الضغوط الشديدة عبر حلفائها من دون تحمّل تبعات مواجهة عسكرية مباشرة على أراضيها، وتستطيع تحويل هذه الأوراق الجيواقتصادية إلى مقايضات ومكاسب سريعة في مفاوضاتها النووية والأمنية مع واشنطن والدول الغربية.
تظهر القراءة الدقيقة للمشهد أنّ السيطرة على باب المندب لم تكن مجرّد كسب جغرافي محلي، بل أتمّت لوحة الردع الهجومي الإيراني، محوّلة إيران إلى قوة محورية تمسك بأهمّ مفاتيح الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة من الخليج إلى قناة السويس.