كيف أربكت إيران حسابات الغرب منذ الثورة الإسلامية؟
حقّقت إيران نجاحاً مشهوداً في إدارة الأزمة الأمنية الأخيرة من خلال مقاربة قانونية تضمن حقوق المحتجين وحرياتهم وتحفظ الأمن القومي عبر تحييد شبكات العملاء الأجانب الذين كانوا يقتلون الأبرياء ويخرّبون الممتلكات.
-
كيف حوّلت المخابرات الإيرانية التظاهرات إلى بيئة اختبار لرصد سلوك العملاء؟ (أرشيف)
منذ نهاية حرب الاثني عشر يوماً التي أطلقت عليها "إسرائيل"، "الأسد الصاعد" ليظهر أنّ أساس هذه التسمية ليس توراتياً فقط، وإنما رمز للعلم البهلوي الذي أرادت القوى الأجنبية نصبه من جديد بعد سقوطه في إثر الثورة الخمينية.
الحقيقة أننا لم نكن أمام نهاية حرب وإنما إزاء وقف مؤقت لإطلاق النار مع استمرار حرب استخباراتية باردة ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية من طرف تحالف يضمّ عشرة أجهزة أجنبية على الأقل، بحسب تصريح وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب.
إنّ الحرب التي قادتها واشنطن ضدّ النظام الإسلامي في إيران منذ تأسيسه في ظلّ ظروف سياسية واجتماعية مهيّأة ومناسبة للقبول به آنذاك لم تعد هي نفسها اليوم، كما أنّ النموذج الإسلامي الذي ظنّ الغرب أنّ الإمام الخميني ـــــ رحمه الله ـــــ يستطيع أن يخلقه تجاوز التصوّر الأميركي بكثير، حيث اقتربت إيران من الخطوط الحمر التي رسمها الغرب بل وتجاوزتها إلى الصناعات النووية والفضائية والعسكرية والطبية والبحث العلمي وغيره.
فالغرب ظنّ أنّ ايران الخميني ستبقى منزوية في المساجد والحسينيات مع قيام الموساد بالتحريض نحو حرب سنية- شيعية، واستغلال النظام الإسلامي في إيران ضدّ الصين وروسيا الشيوعيتين والملحدتين بحسب ما ظنّ الغرب أنها أفكار ثابتة في عقل الخميني، ليتفاجأ الجميع بعد سنوات أنّ إيران أصبحت مع الحلف الجديد الذي يعمل على خلق توازن في العلاقات الدولية ضدّ أميركا وحلفائها، بعدما كانت إيران في عهد الشاه البهلوي قاعدة عسكرية أولى لأميركا قبل "إسرائيل".
فبعد أن تفطّنت وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلى الخطأ في التقدير الذي ارتكبته بعد أن استهانت بقوة رجال الدين في حكم الدولة، أو بتعبير آخر بعدما وثقت في تقارير الاستخبارات الفرنسية حول شخصيّة وعقل الخميني الذي كان في منفاه، بدأت فصول جديدة من العمل الاستخباراتي والسياسي والعسكري ضدّ النظام الإسلامي في إيران الذي أتقن دوره في الحوزات والمساجد والحسينيات، تماماً مثل مؤسسات الجيش والأمن والقضاء والإعلام، حيث خلق هيكلة وتوازنات يصعب اختراقها أو الانقلاب عليها بسهولة.
وهنا وجدت واشنطن نفسها أمام واقع يصعب التعامل معه رغم أهميته الجيوسياسية والاقتصادية بالنسبة لأميركا، ولا سيما النفط الإيراني الذي نفّذت من أجله مع بريطانيا عملية "أجاكس" ضدّ حكومة محمد مصدق، وقوة الشارع الذي لم يخفْ من مهاجمة السفارة الأميركية واحتجاز الرهائن فيها.
وهكذا تحوّلت الثورة ضدّ الشاه ذات المظاهر الإسلامية من مشكلة سياسية داخلية ظنّت واشنطن أنها قادرة على التحكّم فيها حتى إيجاد بديل للخميني إلى زلزال جيو سياسي كبير أرهق واشنطن وحلفاءها إلى الاَن.
من أهمّ القرارات التي اتخذتها واشنطن ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية العقوبات الاقتصادية، والتي كانت نتائجها واضحة من خلال الاحتجاجات المتعاقبة للشعب الإيراني بسبب التضخّم وانهيار العملة وغلاء الأسعار والبطالة وغيرها من المشكلات الاقتصادية الأخرى التي كانت نتيجة مباشرة للعقوبات الدولية. أي أنّ أميركا هي السبب في المشكلات الداخلية في إيران، وليست الحكومات الإيرانية التي تبذل جهوداً كبيرة من أجل إيجاد حلول للعجز في الميزانية وتقلّص الاحتياطي من العملة الصعبة وبدائل جديدة للاستثمار والتصدير والاستيراد.
فواشنطن لا تستهدف بالعقوبات مركز القرار في إيران، بل تضعف المجتمع وتدفعه نحو التمرّد ضدّ النظام، وبالتالي فالبيت الأبيض هو المسؤول عن الوضع الاقتصادي المتردّي للمواطن الإيراني مباشرة.
إنّ ديمومة العقوبات دفع إيران إلى خلق اقتصاد خاصّ بها يتميّز بتقليل الاعتماد على النفط وخلق اقتصاد موازٍ شبه رسمي يعتمد على الوسطاء وشبكات تجارية غير رسمية، وتعزيز الصناعات المحلية في مجالات الطاقة والبترول والمعادن والموارد الطبيعية والصناعات الدفاعية والزراعة والسيارات والملابس وغيرها من الصناعات المختلفة الأخرى. كما أنها من أهمّ الدول التي تهتم بالبحث العلمي بما فيه المجال المتعلّق بتقنية النانو والذكاء الاصطناعي والطب وغيرها من العلوم.
هذه الإنجازات الكبيرة لم تحقّقها حتى الدول العربية التي لا تخضع للعقوبات الاقتصادية وتملك مقدّرات نفطية كبيرة . فالمشكلة ليست أن تكون معارضاً لأميركا بل أن تكون حليفاً لها!
خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران عملت لانغلي مع أجهزة استخبارات دولية أخرى على استغلالها وتحويلها إلى حرب داخلية، وذلك عبر تنشيط خلاياها داخل إيران وتزويدها بالأسلحة والأموال والمعدات من أجل تنفيذ عمليات قتل وتخريب ضدّ المؤسسات والأشخاص المدنيين والعسكريين لتقويض الأمن الداخلي، لكنّ كفاءة الأجهزة الأمنية والقضائية حالت دون إتمام المخطّط التخريبي الذي قادته واشنطن و"تل أبيب".
حيث إنّ أجهزة المخابرات الإيرانية كانت تملك المعلومة الصحيحة حول حقيقة المخطّط الموجود، لذلك اعتمدت على معالجة الملف بهدوء كبير يسمح بالتمييز بين الجواسيس الأجانب والمواطنيين الذين يطالبون بإصلاحات اقتصادية من دون أن يكونوا واعين بحقيقة هذه الاحتجاجات التي يتمّ التحكّم فيها من الخارج.
هكذا حوّلت المخابرات الإيرانية التظاهرات إلى بيئة اختبار استخباراتي لرصد سلوك هذه العناصر المندسّة، وبالتالي تحوّلت الشوارع المنتفضة والتي ظنّتها "إسرائيل" لحظة فرح ونجاح إلى ميدان إسقاط ومختبر للكشف عن شبكة الجواسيس، وبالتالي تحوّل ما كان يعتبر تهديداً أمنياً ضدّ إيران إلى فخّ استخباراتي كبير كشف عن العديد من شبكات التجسس.
لقد حقّقت إيران نجاحاً مشهوداً في إدارة هذه الأزمة الأمنية من خلال مقاربة قانونية تضمن حقوق المحتجين وحرياتهم، وتحفظ الأمن القومي عبر تحييد شبكات العملاء الأجانب الذين كانوا يقتلون الأبرياء ويخرّبون الممتلكات العامّة والشخصية ويهدّدون السلم الاجتماعي والأمن القومي للبلد.
إيران تملك صبراً استراتيجياً في إدارة الملفات، وهذا ما يميّز الشخصية الإيرانية، لكنّ ترامب يظنّ ذلك ضعفاً متجاوزاً كلّ المعطيات التاريخية والواقعية مدفوعاً بغروره بدل عقله، وهذا ما سيؤدّي به إلى حمل شعار "لنجعل أميركا ضعيفة"،ليخرج من التاريخ مكسوراً وخاسراً.