عندما قابلت خامنئي

السيد خامنئي أسهم في إنتاج نموذج حكم فريد: نشط، مندفع، بموروث فكري ومعرفي وتاريخي، لكنّ المهمة الأسمى على عاتقه شخصياً كانت حراسة قيم الثورة.

  • جمع السيد خامنئي بين مهمة رجل الدين والدولة (أرشيف).
    جمع السيد خامنئي بين مهمّة رجل الدين والدولة (أرشيف).

كان ذلك في أيار/مايو من العام 2024 في "غرفة فلسطين" بمعرض طهران الدولي للكتاب. 

فريق الحماية الخاصّ بالقائد الأعلى رسم بدقة كلّ خطوات الحركة والحديث، واتخذ الجميع مواقعهم بانتظام لاستقبال ومقابلة رجل الدين الأول والأكثر مهابة في إيران.

عمّ الصمت المكان إلا من موجات الصوت المنبعثة من أجهزة الإشارة الخاصة بأفراد الحماية. لم يكن المرشد يسير وفق الترتيبات المسبقة، بل وفق عناوين الكتاب المعروضة. 

كان يعطي أُذنه للمتحدّث، بينما يمنح عينيه حقّ التنقّل بين الكتب كمن يبحث عن صيد.

علمت أنه كان يحرص كلّ سنة على زيارة معرض الكتاب، ويقضى نصف يومه متنقّلاً بين أقسام المكتبات، ويعود حاملاً حزمة منها. يروي في كتابه اللطيف "أنا والكتاب"أنه كان يقرأ في كلّ فرصة، حتى في أوقات التعب. 

في كلّ لقاءاته التي يعقدها في قاعة بيته المتواضع كان يقول دوماً إن "الشعب الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يبني حضارة".

وقف مطوّلاً أمام غرفتَي اليمن وفلسطين ضمن أقسام المعرض، وتأكّدت وقتها أنه كان يريد أن يخصّنا بإشارة، فقد كان معرض الكتاب الأول لإيران أثناء معركة طوفان الأقصى.

أذكر أنه تشابكت فينا مشاعر الاحترام مع مهابة الموقف. نظرت مطوّلاً في ملامح الرجل الذي تولّى مهمة البناء بعد الهدم.

كان خامنئي ضمن الدائرة الضيّقة للإمام الخميني في فترة الثورة ضدّ نظام بهلوي حتى إسقاطه في عام 1979. في ذلك العام، كتبت إيران تاريخ إسقاط أقدم ملكيّة في العالم. الهدم احتاج كلّ تلك اللحظة والعناء لكنّ البناء احتاج خامنئي.

جمع السيد خامنئي بين مهمّة رجل الدين والدولة، وكان مهندس بُنية النظام الأكثر تعقيداً في النظم السياسية للدول، التي بنيت على مبدأ التماسك والثبات. الصبر كان في نظره إسمنت البناء الجديد المسمّى "الجمهورية".

عصفت بالنظام الكثير من الحوادث، وطرأت عليه العديد من الشقوق الداخلية، ودخل في صراع الهوية وأمراض التغريب، لكنّ خامنئي كان يصفها دوماً بأنها "حوادث طبيعية لمسير وعر ينتهي في القمة".

السيد خامنئي أسهم في إنتاج نموذج حكم فريد: نشط، مندفع، بموروث فكري ومعرفي وتاريخي، لكنّ المهمة الأسمى على عاتقه شخصياً كانت حراسة قيم الثورة.

من يعرف إيران جيداً يدرك حجم التيارات المتحرّكة داخلياً وشدّة تلاطم الأفكار والتوجّهات حول أبسط القضايا وأكثرها تعقيداً، والأكثر منها إثارة للجدل سواء في السياسة الداخلية والخارجية، وحتى داخل مكتب القائد نفسه وعلى طاولة الأمن القومي. 

السيد خامنئي عملياً استطاع احتواء هذا التدافع وإدارة كلّ هذا الاختلاف والاشتباك القيادي الإيجابي لكنه حافظ على انضباط المؤسسة وأمسك بالقرار الأخير. سمح بمناورات في السياسة تخالف قناعاته، لكنه لم يتهاون في المسّ أو العبث والمخاطرة في قيم الثورة ومبادئها. 

هذه القيم وجدت نفسها في جيل كامل في إيران عاش مع المرشد، بايعه وناصره وانتقده وهاجمه، لكنه بقي ثائراً.

خامنئي ليس شهيداً تُذكر مناقبه بل مرحلة تاريخية من عمر إيران الثورة. 

في عام 2011، صدر عن "مؤسسة الثورة الإسلامية للنشر" كتاب بعنوان "قضية فلسطين" لخامنئي يضمّ كلّ كلمة وجملة قالها القائد عن فلسطين منذ أكثر من أربعة عقود، سواء في خطاباته أو لقاءاته الداخلية، ويأتي في نحو 700 صفحة. 

في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2015، عرض نتنياهو هذا الكتاب أمام الجمعية العامّة للأمم المتحدة في دورتها السبعين، وادّعى أنّ السيد خامنئي أصدره بعد أيام من الاتفاق النووي في 2015. وقال إنّ الكتاب يحتوي على خارطة طريق رسمها المسؤولون الإيرانيون للقضاء على "إسرائيل". وللتعبير عن اعتراضه، التزم نتنياهو الصمت أمام الحاضرين لمدة 44 ثانية، وهو يحدّق في وجوههم.

العدو اعترف بوضوح أمام العالم أنّ الفكر الذي يحمله خامنئي حول فلسطين يمثّل خارطة طريق لإزالة "إسرائيل". 

وللتاريخ، فإنّ السيد خامنئي كان من رجال القرارات الأولى من عمر الثورة، التي أعلنت "يوم القدس العالمي"؛ من أجل حماية فلسطين "من رياح النسيان" بتعبير السيد خامنئي، وإغلاق سفارة "إسرائيل" في طهران، واستقبال السفير الفلسطيني كأوّل وافد دولي إلى حكم الثورة، وإطلاق مؤتمر دعم الانتفاضة في فلسطين، ودعم محور المقاومة، وغيرها من القرارات الجريئة التي تحمل بصماته.

هذا التاريخ مرّ أمام أعيننا ونحن نرى هذا الشيخ الثمانيني يتقدّم نحونا في "غرفة فلسطين". نظرت في عينيه وقلت في حينه إنّ هذا الرجل سيدفع دمه يوماً ما ثمناً لموقفه من فلسطين.