جنوب لبنان… نبضٌ لا ينكسر
يبقى الجنوب، رغم كل ما يفرض عليه، مساحةً لا تنطفئ فيها الإرادة. الناس يمضون بثقة صامتة: الأرض التي حملتهم جيلًا بعد جيل، لن يتركوها وحدها.
-
الجنوب يعيش تحت وطأة توترات مستمرة تعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي (أرشيف).
في جنوب لبنان، لا يحتاج المرء إلا إلى خطوات قليلة ليشعر بأن هذه الأرض تعرف أصحابها. الناس يمشون فوق ترابها كما لو كانوا يرسلون اعترافًا يوميًا بأن الحياة هنا تستحق أن تُصان، مهما ارتفع منسوب الخطر على الحدود.
الجنوب يعيش على إيقاعين متداخلين: إيقاع حياة يومية متشبثة بدورتها الطبيعية، وإيقاع توتر لا يغيب عن الأفق. في الحقول والطرقات وعلى عتبات البيوت، يلمس الزائر عمق العلاقة بين أهل الأرض وأرضهم؛ علاقة نمت عبر صبر طويل ووعي متراكم بتاريخ المواجهة وموازين الردع على الجبهة. ورغم المراقبة المستمرة وآثار التصعيد، يحافظ الأهالي على حضورهم كفعل إرادة قبل أن يكون مجرد وجود، كأنهم يرسلون رسالة صامتة: الجنوب لن يُترك، والحياة فيه ليست هامشًا أمام الخطر، بل هي صمود يُكتب يوميًا من دون ضجيج.
الجنوب يعيش تحت وطأة توترات مستمرة تعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي. الاعتداءات المتكرّرة ومحاولات فرض وقائع جديدة تضعه دائمًا في دائرة الاستهداف، لكنه استطاع خلال السنوات الماضية أن يفرض معادلته الخاصة: لا تفلّت للحدود ولا استباحة للأرض. وكل حادثة أمنية أو تغيير ميداني يُقرآن ضمن سياق السياسات الدولية والإقليمية التي تحاول التأثير في مسار الصراع، لكن الجنوب يثبت يوميًا قدرته على تثبيت حضوره، مستندًا إلى إرادة شعبية راسخة ترفض أن يتحول إلى ساحة تفاوض بالوكالة، وتصرّ على حماية قواعد ردع أسسها التاريخ وتجارب المواجهة السابقة.
هذا التوازن الهش هو جوهر اللحظة السياسية اليوم. فالمعادلة التي صنعتها البيئة الجنوبية ليست مجرد رد عسكري، بل هي جزء من صراع أوسع بين مشروع يحاول تكريس الهيمنة، وآخر يدافع عن حق الشعوب في سيادتها وأمنها. الجنوب يقدّم نموذجًا لبيئة ترفض الانخراط في أي تسوية تنتقص من سيادتها، وتحوّل وجودها الميداني إلى ورقة ضغط تمنع إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة على حساب حقوقها.
المقاومة في الجنوب ليست شعارًا، بل حماية فعلية للناس والأرض. تمنع الانتهاكات وتتيح مساحة آمنة للمدنيين، وتعكس إرادة المجتمع في البقاء فوق أرضه. هي جزء أساسي من معادلة توازن القوى الإقليمية، قوة سياسية وعسكرية معًا، تمنع أن يصبح الجنوب ساحة مفتوحة أمام مشاريع خارجية تهدف إلى تهميش دوره وأمنه. الاستقلالية في القرار والمقاومة المتجذرة في المجتمع ليستا شعارين، بل هما أداتان فعّالتان للحفاظ على السيادة وتحقيق الأمن الاستراتيجي.
ورغم كل ما يحيط بالجنوب من توتر، يستمر الناس في حياتهم اليومية: مدارس لا تُغلق إلا عند الضرورة، مزارعون يحافظون على مواسمهم،وبلدات تُعيد ترميم ما يتضرر بسرعة هادئة. هذا الاستمرار ليس مجرد صمود فردي، بل رسالة سياسية: المجتمع لن يُجبر على الانكسار تحت أي ضغط، والنشاط المدني والاقتصادي يتحول إلى جزء من معادلة الردع، تثبت أن أي محاولة لزعزعة التوازن ستصطدم بإرادة شعبية متجذرة في الدفاع عن الأرض والحق في الحياة.
الحضور الإنساني هو ما يجعل الجنوب ثابتًا؛ فالمعادلات العسكرية لا تكتمل من دون إرادة الناس في البقاء فوق أرضهم. هذه الإرادة تُترجم إلى قدرة واضحة على تثبيت قواعد الردع وفرض المعادلات على كل من يحاول فرض وقائع جديدة. الثبات البشري ليس مجرد صمود شخصي، بل هو استراتيجية للحفاظ على السيادة والأمن الاستراتيجي، وتحويل التهديدات إلى أدوات سياسية فعّالة.
يبقى الجنوب، رغم كل ما يُفرض عليه، مساحةً لا تنطفئ فيها الإرادة. الناس يمضون بثقة صامتة: الأرض التي حملتهم جيلًا بعد جيل، لن يتركوها وحدها. وفي هذا الصمت تكمن أعمق معاني الانتماء؛ الأرض تتحول إلى قلب نابض بالحياة، والوجوه اليومية إلى شهادات شاهدة على العزيمة. كل خطوة على التراب، كل ضحكة في المدارس، وكل جهد في ترميم البيوت هو إعلان واحد: الجنوب حيّ بوجود أهله، وهذه الأرض ليست مجرد مكان، بل حكاية مستمرة من الصمود والحب والارتباط الذي لا ينقطع مهما حاولت الظروف أن تضعفها.