انتصار الاستراتيجية الإيرانية وانهيار وهم الردع

في مشهد جيوسياسي يفيض بالمتغيّرات الحادّة، برزت الدبلوماسية الإيرانية كلاعب استراتيجي نجح في تطويع الضغوط الدولية لصالحه.

  • تعمدت طهران ربط ملف لبنان بشكل عضوي بمسار المفاوضات الأميركية-الايرانية (أرشيف).
    تعمّدت طهران ربط ملف لبنان بشكل عضوي بمسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (أرشيف).

تغرق منطقة الشرق الأوسط في تحوّلات جيوسياسية كبرى، حيث توّجت التطوّرات الأخيرة بانتصار استراتيجي لإيران على "إسرائيل"، بعد أن فرضت طهران إيقاعها في مسار التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، متجاوزة بذلك كلّ الرهانات الإسرائيلية على العرقلة أو التصعيد.

إنّ هذا المشهد الجديد لا يمثّل مجرّد تغيّر في التوازنات، بل هو إقرار واقعي بانكسار الهيبة الإسرائيلية أمام إرادة إيرانية استطاعت انتزاع اعتراف دولي بموقعها في معادلة الإقليم، بينما تقف "تل أبيب" اليوم في موقف المتفرّج المعزول عن جوهر القرارات الكبرى، غارقة في مأزقها الداخلي وخيبات خياراتها السياسية، ومع أنّ الإعلان عن هذا المسار قد فتح باب التساؤلات، إلّا أنّ العبرة الحقيقية تبقى رهينة لما سيتمخّض عن فترة تطبيق وقف إطلاق النار الشامل والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وهو ما يشكّل الاختبار الفعلي لمدى صمود التفاهمات ومدى قدرة الأطراف على الالتزام ببنودها.

إنّ ما يجري في "إسرائيل" اليوم يمكن وصفه بحالة من الانهيار التدريجي للوهم الذي روّجت له القيادة السياسية حول إمكانية الحسم العسكري المفتوح، حيث تشير التقارير الصادرة عن صحف مثل "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" إلى أنّ العام الحالي يمثّل ذروة انكشاف الاستراتيجية الإسرائيلية، ففي مقالاتهم النقدية يجادل كتاب مثل "بن كسبيت" في "معاريف" و"عوفر شيلح" في"هآرتس" بأنّ نتنياهو يمارس سياسة الهروب إلى الأمام، حيث يعتبر بن كسبيت أنّ قرارات نتنياهو لا تخدم الأمن القومي بقدر ما تخدم أجندته الخاصة بالبقاء في السلطة، محذراً من أنّ المقامرة بالمواجهة المفتوحة من دون غطاء أميركي حقيقي كانت كارثية، ومن جهته يرى عوفر شيلح أنّ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عالقة في نمط من العمليات التي لا تؤدّي إلّا إلى المزيد من العزلة الدولية، مؤكّداً أنّ الانفصال عن الواقع السياسي في إدارة الملف الإقليمي قد حوّل "إسرائيل" إلى "دولة" محاصرة بقراراتها المتخبّطة.

إنّ تأثير عمليات المقاومة اللبنانية تجاوز حدود العمل العسكري المباشر ليصل إلى عمق التكوين الاجتماعي والاقتصادي الإسرائيلي، حيث عاشت المستوطنات الشمالية حالة من الشلل الكامل، وهو ما نقلته الصحافة العبرية تحت عنوان "وهم الهدوء"، حيث يقرّ المحلّلون بأنّ الهدوء الذي كان يتخلّل فترات التصعيد كان هدوءاً هشّاً وقابلاً للانهيار في أيّ لحظة.

إنّ استمرارية عمليات المقاومة فرضت واقعاً جديداً حيث لم تعد القبة الحديدية أو المنظومات الدفاعية قادرة على توفير شعور الأمان الذي كان يعتمد عليه المجتمع الإسرائيلي، هذا الفشل في توفير الأمن الشخصي أدّى إلى تصاعد الأصوات المطالبة بوقف العمليات والتوجّه نحو مسارات دبلوماسية، وهو ما كان يرفضه اليمين المتطرّف داخل الحكومة الذي أصرّ على الاستمرار في سياسة الأرض المحروقة، مما عمّق الانقسام بين المستويين العسكري والسياسي وجعل من اتخاذ قرار استراتيجي موحّد أمراً مستحيلاً.

في هذا السياق جاءت الضغوط الأميركية لتعقّد المشهد أكثر، حيث عكست تسريبات الصحف الأميركية مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز حالة من عدم الرضا تجاه الأداء الإسرائيلي، فالإدارة الأميركية التي سعت لتجنّب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة رأت في تصرّفات نتنياهو تهديداً لمصالحها الاستراتيجية، وقد ظهر ذلك جلياً في تصريحات ترامب حول فشل الجهود الدبلوماسية بسبب الهجمات الإسرائيلية، هذا التباين في المصالح وضع "إسرائيل" في موقف العزلة، حيث أصبحت الإدارة الأميركية تنظر الى نتنياهو كعبء سياسي يمنع إنجاز أيّ تسوية إقليمية، مما عزّز فرضيّة أنّ "إسرائيل" باتت مكشوفة في مواجهة تداعيات سياساتها.

إنّ الخيارات المتاحة أمام القيادة الإسرائيلية تضيق يوماً بعد يوم، فالمراقبون يؤكّدون أنّ نتنياهو لم يعد يملك ترف الوقت أو الخيارات العسكرية غير المحدودة، وانّ التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار هو الاختبار الحقيقي لمدى صمود الجبهة الداخلية، التي بدأت تظهر بوادر التفكّك في ظلّ غياب رؤية واضحة للمستقبل، إنّ هذا الوضع يتطلّب من النخب السياسية الإسرائيلية مراجعة شاملة لمسارها بدلاً من الاستمرار في تغذية وهم الردع، الذي يبدو اليوم أكثر وهناً من أيّ وقت مضى في مواجهة إرادة المقاومة التي لم تقبل بالانكسار، وبناء على ذلك فإنّ المرحلة المقبلة قد تشهد تحوّلات جذرية في هيكلية الصراع، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين الأمن الداخلي والأداء الاستراتيجي، إذ إنّ كلّ عملية عسكرية سابقة زادت من عمق الأزمة في "تل أبيب" وجعلت من خيار العودة إلى الهدوء بعيد المنال، ما لم تتغيّر القواعد والأسس التي بنيت عليها السياسة الإسرائيلية منذ عقود.

وفي مشهد جيوسياسي يفيض بالمتغيّرات الحادّة، برزت الدبلوماسية الإيرانية كلاعب استراتيجي نجح في تطويع الضغوط الدولية لصالحه، محوّلاً المسارات التفاوضية التي احتضنتها عواصم كإسلام آباد ومسقط خلال شهر نيسان/أبريل 2026 إلى رافعة لتعزيز النفوذ الإقليمي.

لقد تعمّدت طهران ربط ملف لبنان بشكل عضوي بمسار المفاوضات الأميركية-الايرانية، مؤكّدة عبر تصريحات متحدّث الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بتاريخ 01 حزيران/يونيو 2026، أنّ وقف إطلاق النار في لبنان يمثّل شرطاً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من أيّ اتفاق ينهي الحرب مع الولايات المتحدة. هذا الربط المباشر أعاد الاعتبار للدور الإيراني كقوة إقليمية نافذة تتجاوز بقرارها السلطة الرسمية في بيروت، وتفرض ورقة لبنان على طاولة المفاوضات الدولية.

وعلى النقيض من هذا الصعود الدبلوماسي، غرق بنيامين نتنياهو في ما يمكن وصفه بالخطأ المميت، عبر إصراره على توسيع العمليات العسكرية واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت في منتصف شهر حزيران/يونيو 2026. هذه الخطوة، التي تجسّدت في غارات عنيفة يومي 14 و15 حزيران/يونيو 2026، لم تكن سوى محاولة يائسة لترميم صورة الردع المتآكلة. وقد أثبتت هذه الضربات أنّ "إسرائيل" فقدت القدرة على فرض إرادتها السياسية عبر القوة الغاشمة، بل إنها عمّقت أزمتها مع واشنطن التي باتت تنظر إلى هذه الاعتداءات كعقبات أمام إنجاز اتفاق إقليمي شامل كانت قد وضعت لمساته الأخيرة.

إنّ الحرب التي انطلقت منذ شهر شباط/فبراير 2026 وضعت "دولة" الاحتلال في مواجهة وجودية فرضتها تداعياتها، وفي قلب هذا المشهد المعقّد، برز الاتفاق الأميركي الإيراني كزلزال استراتيجي أعاد صياغة الأولويات، ووضع "تل أبيب" في مواجهة مباشرة مع تحوّلات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية، حيث سادت حالة من الارتباك والذهول في أروقة صنع القرار العبري فور تسرّب تفاصيل المفاوضات التي أدرك الإسرائيليون أنها تمّت من دون تنسيق مسبق يضمن مصالحهم، مما أدّى إلى تصدّع في الثقة بين واشنطن و"تل أبيب" وصل إلى حدّ الاتهامات المتبادلة بالتجسس، إذ يرى المحللون أنّ هذه الخطوات الدبلوماسية، التي يسعى من خلالها الرئيس ترامب إلى التهدئة، وقفت على نقيض تامّ مع الاستراتيجية الإسرائيلية التي راهنت على الاستمرار في العمليات العسكرية كأداة وحيدة لإخضاع البنية التحتية الإيرانية لدمار طويل الأمد.

تتمحور الانتقادات الإسرائيلية في الصحافة العبرية حول ما تعتبره فشلاً استراتيجياً لا يمكن ترميمه، حيث ترى "تل أبيب" أنّ بنود الاتفاق المسرّبة في شهر حزيران/يونيو 2026، ولا سيما المتعلّقة بفتح مضيق هرمز ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول المجمّدة، تمثّل تراجعاً خطيراً عن أهداف الحرب المعلنة. تصف الصحف العبرية هذه التنازلات بأنها هدية مجانية لطهران، محذّرة من أنّ هذه الأموال ستتحوّل سريعاً إلى وقود لجولات جديدة من الصراع، كما تسود حالة من المرارة إزاء تآكل معادلات الردع الإسرائيلية، خاصة بعد أن أثبتت جولات القتال في شهر نيسان/أبريل 2026 أنّ العمق الإسرائيلي لم يعد محصّناً، وهو ما دفع المحللين لتوصيف المفاوضات بأنها مجرّد محاولة أميركية لشراء الوقت.

أما الموقف الرسمي الإسرائيلي، فيتأرجح في منتصف شهر حزيران/يونيو 2026 بين رغبة ملّحة في التمسّك بالتنسيق الاستراتيجي مع واشنطن وبين شعور عميق بالخديعة، حيث يحاول نتنياهو تقليص خسائر هذا الاتفاق. ومع ذلك، يظلّ الإعلام الإسرائيلي مصوّراً الاتفاق كخطر وجودي يمنح إيران شرعية إقليمية واسعة، ويضع "إسرائيل" أمام تحدّيات صعبة تتعلّق بقدرتها على المناورة وحيدة في وجه المتغيّرات الدولية.

وهكذا، بات المشهد الإسرائيلي اليوم يعيش انقساماً حاداً بين التيار الذي طالب بالانفلات العسكري لفرض شروطه الخاصة، وبين الواقعية السياسية التي بدأت تدرك أنّ تحوّلات الإدارة الأميركية ليست مجرّد تكتيك عابر، بل هي إعادة ترتيب شاملة للمصالح في المنطقة تتجاوز الخطوط الحمر التي رسمتها "تل أبيب"، مما يترك المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في مأزق استراتيجي يجعل من هذه الدبلوماسية الأميركية تهديداً لا يقلّ خطورة عن التهديد العسكري المباشر.

تستند هذه القراءة إلى جملة من التطوّرات الموثّقة: شهر شباط/فبراير 2026 انطلاق العمليات العسكرية، شهر نيسان/أبريل 2026 الإعلان عن انطلاق محادثات إسلام آباد ومسقط المباشرة، 01 حزيران/يونيو 2026 تأكيد طهران أنّ وقف إطلاق النار في لبنان شرط أساسي للاتفاق، 14-15 حزيران/يونيو 2026 الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وتصاعد أزمة الثقة مع واشنطن، والتوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

إنّ هذا الاتفاق لا يمثّل نهاية للصراع بل هو دخول في طور جديد تحت السقف الدبلوماسي، حيث تدرك "إسرائيل" أنّ واشنطن قرّرت مغادرة منطقة الشرق الأوسط وفقاً لشروطها الخاصة، تاركة خلفها حليفاً يشعر بأنه قد تعرّض للخذلان، بينما يظلّ رهان نتنياهو على الضربات الموضعية مجرّد صدى لمرحلة انتهت، تاركاً "إسرائيل" عالقة في ارتدادات أخطائها الاستراتيجية.