العراق بين إرادة المقاومة واستراتيجية الاحتواء الإقليمية الأميركية

استراتيجيةُ الاحتواء الأميركية للعراق تُواجه بإرادةِ المقاومة الرافضة لنزع السلاح.

  • العراق بين إرادة المقاومة واستراتيجية الاحتواء الإقليمية الأميركية
    العراق بين إرادة المقاومة واستراتيجية الاحتواء الإقليمية الأميركية

في العراق اليوم، ثلاثة أسماء تتصدر مشهد المقاومة المسلحة، وهي ليست مجرد تسميات عسكرية، بل تمثل خطاً أحمر يرفض الاستسلام لمنطق تسليم السلاح المفروض أميركياً مهما اشتدت الضغوط. كتائب سيد الشهداء بقيادة أبي آلاء الولائي، وكتائب حزب الله بقيادة أبي حسين الحميداوي، وحركة النجباء بقيادة الشيخ أكرم الكعبي، تشكل جبهة موحدة في رفضها القاطع لنزع سلاح فصائل الحشد الشعبي أو دمجها ضمن إطار الدولة العراقية بشكل يفقدها استقلاليتها القتالية. هذا الموقف لم يعد مجرد بيان سياسي، بل تحول إلى موقف وجودي في ظل تزايد الضغوط الإقليمية والدولية التي تسعى إلى تصفية هذه الفصائل أو ترويضها.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات، تبرز اتهامات متزامنة من إسرائيل والسعودية تلقي باللوم على الحشد الشعبي والفصائل الموالية لإيران في استهداف مصالحهما. ففي السابع والعشرين من تموز الجاري، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وإسقاط عدة طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية حساسة في المنطقة الشرقية ومحيط الرياض، متهمةً ما تسميها “مليشيات إرهابية تابعة لإيران” بتنفيذ هذه الهجمات. الرد العراقي الرسمي جاء سريعاً بفتح تحقيق وتأكيد رفض استخدام أراضيه كمنصة اعتداء، مترافقاً مع إنكار هذه الفصائل مسؤوليتها عن الاستهداف، مع تبني حركة الحوثي له، من دون أن تصدقه الرياض لكي لا تقوم بالرد عليه، فيقوم الحوثي بالرد على مصالحها النفطية. لكن ما يثير الانتباه هو توقيت هذه الاتهامات وطبيعتها المتكررة، فهي ليست الحادثة الأولى، مما يعني أن السعودية تبني سردية متصاعدة تصور العراق كقاعدة انطلاق لتهديد أمنها، ولذلك قامت ليل أمس، بالتعاون والتنسيق مع القيادة الوسطى الأميركية، بضرب قواعد الحشد الشعبي الذي يعلن مقاومته للإرادة الأميركية في العراق والمنطقة.

من جهتها، لم تتأخر "إسرائيل" عن إضافة فصول جديدة إلى هذا السيناريو، فقد أعلنت أيضاً أنها أسقطت طائرة مسيّرة آتية من العراق على حدود الأردن. وللتذكير، فمنذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في شباط الماضي، امتدت الغارات الجوية لتطال مواقع الحشد الشعبي في نينوى وديالى وصلاح الدين، حيث قُتل عناصر من الفصائل في ضربات إسرائيلية وأميركية على حد سواء. هذه الضربات لم تكن رداً على هجمات عراقية فحسب، بل كانت جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تدمير البنية التحتية العسكرية للفصائل المسلحة وإضعاف قدرتها على الردع، تمهيداً لمواجهة أوسع مع إيران بعد استهداف حلفائها في المنطقة.

الربط بين هذين المسارين يكشف عن صورة أوضح للمشهد. الاتهامات الإسرائيلية والسعودية ليست مجرد تقارير استخبارية منعزلة، بل تشكل حملة منظمة تخدم هدفاً واحداً، هو الضغط على الحكومة العراقية وإجبار الفصائل على تسليم أسلحتها. فعندما تتهم السعودية الحشد الشعبي بإطلاق المسيّرات فترد بضرب مراكزه، وعندما تضرب "إسرائيل" مواقعه داخل العراق، فإن الرسالة تصل إلى بغداد السائرة على خارطة طريق أميركية، بأن استمرار هذه الفصائل المسلحة خارج سيطرة الدولة يشكل تهديداً للأمن الإقليمي وذريعةً للتدخل العسكري الخارجي. وفي المقابل، يصبح رفض الفصائل الثلاثة لتسليم السلاح تهديداً مباشراً للأجندة التي تسعى واشنطن وحلفاؤها إلى تنفيذها، خاصةً مع اقتراب موعد انسحاب التحالف الدولي من العراق في أيلول المقبل.

هذا الانسحاب ليس مجرد حدث عسكري، بل هو نقطة تحول سياسية حاسمة. فبمجرد رحيل قوات التحالف والقوات الأميركية الرسمية عن العراق، ستفقد واشنطن الغطاء القانوني والعسكري لوجودها، وستصبح الفصائل المسلحة أكثر حريةً في حركتها، وهو ما يقلق "إسرائيل" والسعودية على حد سواء. من هنا، تأتي الاتهامات المتزامنة والضربات الجوية المتصاعدة كمحاولة لخلق بيئة سياسية وعسكرية تبرر إما إبقاء قوات أميركية تحت ذرائع جديدة، أو تبرير ضربات مستقبلية مباشرة ضد الفصائل الرافضة للتسليم.

حركة النجباء وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء تدرك هذا المنطق جيداً، ولهذا تراهن على الاستمرار في امتلاك السلاح كضمانة وجودية. فهذه الفصائل لا ترى في السلاح مجرد أداة قتالية، بل تراه درعاً واقياً ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل، وورقة ضغط على السعودية التي تخشى تكرار استهداف منشآتها النفطية، وعقبةً أمام مشروع “العراق الأميركي” الذي تريده الولايات المتحدة الأميركية، وفي الوقت نفسه تدرك هذه الفصائل أن أي تنازل في هذا الملف قد يعني بداية النهاية لوجودها، سواء عبر الضربات الجوية التي تتصاعد تدريجياً، أم عبر العقوبات السياسية والاتهامات بالإرهاب التي تُساق ضدها.

لذلك، ومع دخول شهر أيلول، يُتوقع أن تشهد الساحة العراقية تطورات حاسمة. فاكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي بإدارته الأميركية سيفتح الباب أمام مواجهة مباشرة بين إرادة الفصائل في الاستمرار مسلحةً، وبين إرادة الحكومة العراقية، مدعومةً بالقوى الإقليمية والإرادة الأميركية، في ترويضها أو تصفيتها. الاتهامات السعودية والإسرائيلية ستستمر في التصاعد، والضربات الجوية قد تتكرر بوتيرة أعلى، والفصائل الثلاثة ستظل على موقفها الرافض للتسليم مهما كان الثمن.

المعركة، إذاً، ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وجودية تحدد شكل العراق ودوره في الإقليم للسنوات المقبلة، كما ستحدد شكل المواجهة المستمرة بين محور المقاومة والمشروع الأميركي في المنطقة.