التكافل الاجتماعي في المجتمع اللبناني: تحليل سوسيولوجي لآليات الصمود

التكافل الاجتماعي في لبنان، كما تؤكده نظريتا، رأس المال الاجتماعي والصدمات الجماعية، هو ظاهرة علمية يمكن تحليلها وتوجيهها.

  • التفاعل الديناميكي: من الصدمة إلى الاستثمار في الثقة (أرشيف).
    التفاعل الديناميكي: من الصدمة إلى الاستثمار في الثقة (أرشيف).

إن دراسة المجتمع اللبناني في سياق الأزمات المتوالية تمثل تحدياً سوسيولوجياً فريداً، حيث تتجلى مفارقة صارخة بين هشاشة البنية السياسية والمؤسساتية للدولة، وقدرة المجتمع المدني على استيعاب الصدمات المتكررة وإظهار مستويات عالية من التكافل الاجتماعي الفعال.

هذا التضامن ليس مجرد سلوك عاطفي عابر، بل هو ظاهرة عميقة الجذور، يمكن تفسيرها علمياً من خلال التفاعل الديناميكي بين مفهومين نظريين رئيسيين: نظرية رأس المال الاجتماعي ونظرية الصدمات الجماعية. إن الجمع بين هاتين النظريتين يوفر إطاراً تحليلياً قوياً لتأكيد الأساس العلمي للتكافل اللبناني، ويفسر كيف يتحول المجتمع من حالة التشرذم إلى حالة التماسك المؤقت في مواجهة التهديدات الوجودية، وكيف يمكن استثمار هذه الآليات لبناء مشروع وطني مستدام للرقي.

نظرية الصدمات الجماعية: التراكم التاريخي للتماسك القسري لفهم التكافل اللبناني، يجب أولاً الاعتراف بالبعد التاريخي والاجتماعي للصدمة. إن لبنان ليس مجتمعاً تعرض لأزمة عابرة، بل هو مجتمع يعيش حالة من الصدمة الجماعية المتراكمة والمستمرة. تفترض هذه النظرية أن المجتمعات التي تتعرض لأحداث كارثية كبرى ومتكررة، مثل الحروب الأهلية، والنزوح القسري، والانهيار الاقتصادي الشامل، لا تتفكك بالضرورة، بل تطور آليات تكيف واستجابة جماعية عميقة. هذه الاستجابات تهدف إلى تعزيز التماسك وإحياء الهوية الجماعية كآلية دفاع نفسية واجتماعية ضد التهديد الوجودي.

في الحالة اللبنانية، عملت الصدمات المتتالية كـ "مختبر قسري" لإعادة تعريف الذات الجماعية. إن الذاكرة المشتركة للحرب الأهلية، وتجربة الغزو، والانهيار المالي الأخير الذي طال الجميع من دون تمييز طائفي، كلها عوامل أسهمت في صهر الأفراد في بوتقة "ضحية مشتركة".

هذا الشعور المشترك بالهشاشة والمصير الواحد هو ما يفعّل التضامن. فالتكافل هنا يصبح استجابة تكيفية (Adaptive Response)؛ آلية بقاء جماعية تضمن استمرار الحياة في ظل غياب الدولة. على سبيل المثال، بعد انفجار مرفأ بيروت، لم يكن التضامن مجرد مساعدة، بل كان عملية علاج جماعي (Collective Healing)، حيث أسهم العمل المشترك في تنظيف الشوارع وإعادة بناء المنازل، وفي استعادة الشعور بالسيطرة والكرامة المفقودة، وهو ما تؤكده النظرية كجزء أساسي من عملية التعافي من الصدمة الجماعية. إن هذا التراكم للصدمات يفسر لماذا يظهر التكافل اللبناني بقوة أكبر وأسرع من مجتمعات أخرى؛ إنه نتاج لخبرة تاريخية طويلة في مواجهة الكوارث.

نظرية رأس المال الاجتماعي: البنية التحتية للتضامن إذا كانت الصدمة الجماعية هي المحفّز الذي يطلق شرارة التضامن، فإن نظرية رأس المال الاجتماعي هي البنية التحتية التي تسمح لهذا التضامن بالتحقق والانتشار. يُعرف رأس المال الاجتماعي بأنه مجموع الموارد الفعلية والمحتملة المتاحة للفرد أو الجماعة من خلال شبكة علاقاتهم الاجتماعية القائمة على الثقة والمعايير المشتركة. في سياق الانهيار المؤسساتي في لبنان، أصبح رأس المال الاجتماعي هو المورد الأكثر قيمة والأكثر فعالية.

يمكن تحليل رأس المال الاجتماعي في لبنان من خلال بعديه الرئيسيين: رأس المال الرابط (Bonding Capital) ورأس المال الجاسر (Bridging Capital).

رأس المال الرابط: يتمثل في الروابط القوية داخل الجماعات المتجانسة (العائلات، الطوائف، الأحزاب). تاريخياً، كان هذا النوع من رأس المال هو السائد في لبنان، حيث وفر شبكة أمان أولية لأفراد كل طائفة. ورغم أن هذا النوع من رأس المال قد يسهم في الانقسام الطائفي على المستوى السياسي، إلا أنه على المستوى الاجتماعي، كان ولا يزال يوفر الدعم المادي والنفسي الأساسي في غياب الخدمات الحكومية.

رأس المال الجاسر: يتمثل في الروابط الأضعف ولكن الأكثر شمولاً بين الجماعات غير المتجانسة (الجمعيات الأهلية العابرة للطوائف، المبادرات الشبابية، شبكات الإغاثة المشتركة). هذا النوع من رأس المال هو الذي يتفعل بقوة في لحظات الأزمة الكبرى، حيث تتجاوز الحاجة القدرة الاستيعابية لرأس المال الرابط. إن ظهور شبكات الإغاثة التي تعمل على مستوى وطني، وتجمع متطوعين من مناطق وطوائف مختلفة لتقديم المساعدة في منطقة منكوبة، هو تجسيد مثالي لرأس المال الجاسر. هذا النوع من الروابط هو الذي يسهم بشكل مباشر في تقوية التماسك الاجتماعي العام، لأنه يبني الثقة بين فئات لم تكن لتتفاعل في الظروف العادية.

إن التكافل اللبناني هو نتاج التفاعل بين هذين النوعين من رأس المال. فالأزمة تدفع رأس المال الرابط إلى العمل أولاً، ثم تضطر الأفراد والجماعات إلى اللجوء إلى رأس المال الجاسر لتوسيع نطاق المساعدة، ما يؤدي إلى خلق شبكات تضامن أكثر شمولاً وفعالية. هذه الشبكات، القائمة على الثقة المتبادلة والمعايير المشتركة للواجب الاجتماعي، هي التي تفسر قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات المتكررة دون الانهيار التام.

التفاعل الديناميكي: من الصدمة إلى الاستثمار في الثقة

إن القوة التحليلية تكمن في دمج النظريتين. إن الصدمة الجماعية لا تخلق التكافل من العدم، بل هي تنشط وتعبئ رأس المال الاجتماعي الكامن في المجتمع.

1.التنشيط (Activation): الصدمة الجماعية تخلق حاجة ملحة وعاجلة تتجاوز القدرة الفردية أو الطائفية على الاستجابة. هذه الحاجة هي التي تدفع الأفراد إلى تفعيل شبكاتهم الاجتماعية (رأس المال الاجتماعي) للحصول على الموارد أو تقديمها.

2.التعبئة (Mobilization): في ظل الانهيار المؤسساتي، تصبح الشبكات الاجتماعية هي القناة الوحيدة الموثوقة لتوزيع الموارد. الثقة المتبادلة، وهي المكون الأساسي لرأس المال الاجتماعي، هي التي تضمن أن المساعدات تصل إلى مستحقيها بكفاءة، بعيداً من البيروقراطية والفساد الحكومي.

إن التكافل اللبناني هو، في جوهره، عملية استثمار مستمرة في الثقة. كل عمل تضامني ناجح، وكل مبادرة إغاثية فعالة، لا تقدم مساعدة مادية فحسب، بل تزيد من رصيد الثقة في المجتمع، وبالتالي تزيد من رأس ماله الاجتماعي. هذا الرصيد المتراكم من الثقة هو ما يضمن أن المجتمع سيكون قادراً على الاستجابة للصدمة التالية بقوة أكبر.

نحو الرقي: استدامة التكافل الاجتماعي، إن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع اللبناني هو كيفية تحويل هذا التكافل الدوري، الذي تفرضه الأزمة، إلى قيمة مؤسسية دائمة تخدم مشروع الرقي الوطني. إن الصمود ليس كافياً؛ فالصمود هو رد فعل، أما الرقي فهو فعل استباقي يتطلب التخطيط.

لتحقيق هذا التحول، يجب العمل على استدامة رأس المال الاجتماعي الجاسر. يتطلب ذلك:

أولاً، مأسسة الثقة: يجب دعم وتطوير الجمعيات الأهلية والمبادرات العابرة للطوائف التي أثبتت فعاليتها في الأزمة، وتحويلها من كيانات إغاثية مؤقتة إلى شركاء دائمين في التنمية المحلية. هذا يضمن أن الثقة المكتسبة في لحظات الصدمة لا تتبخر مع زوال الخطر المباشر.

ثانياً، تحويل الذاكرة الصادمة إلى قوة دافعة: يجب استثمار الذاكرة المشتركة للصدمات الجماعية لا فقط لتوليد التضامن، بل لتوليد الإرادة السياسية والاجتماعية للإصلاح. يجب أن تصبح قصص التكافل التي وُلدت من رحم الكارثة جزءاً أصيلاً من السردية الوطنية، لترسيخ فكرة أن قوة المجتمع تكمن في وحدته وتضامنه، لا في انقسامه الطائفي.

إن التكافل الاجتماعي في لبنان، كما تؤكده نظريتا، رأس المال الاجتماعي والصدمات الجماعية، هو ظاهرة علمية يمكن تحليلها وتوجيهها. إنه يمثل المورد الوطني الحقيقي الذي يجب استثماره. فإذا استطاع المجتمع اللبناني أن يحول هذا التضامن، الذي هو نتاج الصدمة، إلى قيمة دائمة ومؤسسية، فإنه سيخطو بثقة نحو مستقبل لا يرتكز على هشاشة الانقسام، بل على قوة الوحدة والتضامن الفعال، محققاً بذلك الرقي المنشود.