بين الأطماع الصهيونية والتواطؤ الداخلي: الليطاني في قلب المواجهة التاريخية
التاريخ يثبت أن الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان وتدمير حواضره وقراه هي ثابت استراتيجي صهيوني، وأن الرهان الداخلي على هذا العدو للاستقواء في الداخل أو لتوقيع اتفاقات صلح لم يجلب لأصحابه سوى الخيبة.
-
الليطاني في قلب المواجهة التاريخية (أرشيف).
لكل من يدعي أن "إسرائيل" هي حمامة سلام في المنطقة زوراً وبهتاناً، ولكل من يحاول أن يروج السردية الصهيونية في المنطقة سواء أكانوا من داخل لبنان أو من خارجه، إليكم بعض الحقائق التاريخية والسياسية التي تدحض كل السرديات والروايات الإسرائيلية والمحلية اللبنانية عمداً وتزويراً.
حيث تثبت الوقائع أن الأطماع الصهيونية في الأرض والمياه اللبنانية ليست وليدة العقود القريبة بل هي مشروع استراتيجي قديم واجه تماهياً وتساوقاً من قبل أطراف لبنانية داخلية، راهنت على القوة الصهيونية لتحقيق مكاسب فئوية وتغيير هوية لبنان السياسية والاشتباك مع محيطه العربي، وقد بدأت هذه الأطماع تتبلور علناً حين قدم الوفد الصهيوني مذكرة في فبراير/ شباط 1919 عُرفت باسم الحدود الشمالية لفلسطين، تهدف إلى جعل الحدود تمتد من نقطة شمال صيدا أو نهر الأولي وصولاً إلى الليطاني لضمان السيطرة على الموارد المائية الحيوية.
إلا أن المصالح الاستعمارية الفرنسية تقاطعت حينها مع تثبيت الكيان اللبناني فتمسكت فرنسا بالسيطرة على لبنان بالكامل بما فيه الجنوب ونهر الليطاني وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو، واعتبرت أن حدود لبنان التاريخية تستثني النهر عن فلسطين، ورُسمت الحدود رسمياً بين عامي 1920 و1923 واستقرت عند الحدود الدولية الحالية بموجب اتفاقية بوليه نيوكومب، تاركة الليطاني بالكامل داخل الأراضي اللبنانية، ورغم هذا الترسيم استمرت مسألة نهر الليطاني حاضرة كجزء من الأطماع الاستراتيجية والمائية الاسرائيلية في الخطط العسكرية الإقليمية اللاحقة، ولم تتوقف المحاولات الصهيونية لاستغلال الأزمات الداخلية اللبنانية للنفاذ من خلالها نحو تحقيق هذه الغايات.
إن خطورة المشروع الصهيوني في لبنان لم تكن لتحدث هذا الأثر التدميري لولا وجود قوى وأطراف لبنانية داخلية ربطت مصيرها وخياراتها السياسية بالاستراتيجية الإسرائيلية، حيث انطلقت هذه الأطراف من رؤية قاصرة ترى في "إسرائيل" حليفاً ممكناً للتخلص من الوجود الفلسطيني المسلح ومن ثم الاستقواء بها لفرض معادلة حكم داخلية تقصي الشركاء الآخرين في الوطن وتؤسس لعقد صلح منفرد مع الكيان الصهيوني.
وتكشف الوثائق التاريخية والمذكرات السياسية لزعماء صهاينة ولبنانيين أن قنوات الاتصال والتعاون الأمني والعسكري بدأت مبكراً وتعمقت مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حيث تحولت هذه العلاقات من لقاءات سرية إلى تحالف علني تُرجم على الأرض عبر تقديم "إسرائيل" للدعم العسكري واللوجستي والتدريبي لميليشيات اليمين اللبناني، وكان الهدف المشترك والواضح من هذا التحالف هو تسهيل السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان، وتحويله إلى منطقة نفوذ مباشر وخلق بيئة سياسية وأمنية في بيروت تسمح بتنصيب سلطة موالية توقع على معاهدة سلام وتخرج لبنان من الصراع العربي الاسرائيلي.
وقد تجسد هذا التعاون الميداني بشكل سافر في أواخر السبعينيات، عندما ساعدت هذه الأطراف اللبنانية في تأسيس ودعم ميليشيا جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد، والتي شكلت ذراعاً محلياً يعمل بأمر السيطرة الإسرائيلية مباشرة، وفي السياق العسكري الميداني اجتاح نحو 25 ألف جندي إسرائيلي جنوب لبنان في عام 1978 ضمن ما عُرف بعملية الليطاني بهدف طرد الفصائل الفلسطينية وإنشاء حزام أمني، ووصلت القوات إلى مشارف نهر الليطاني، وانتهت العملية بانسحاب "إسرائيل" جزئياً وتشكيل قوة اليونيفيل، لكنها تركت الشريط الحدودي تحت سيطرة الوكلاء المحليين الذين سهّلوا للاحتلال قمع السكان الأصليين وإضعاف مقوّمات صمودهم.
ثم تلا ذلك التنسيق الأعلى مستوى في اجتياح واسع النطاق عام ،1982 والذي تجاوز هدف الوصول إلى الليطاني ليصل إلى العاصمة بيروت، حيث أتاح هذا الغزو بفضل التواطؤ الداخلي وتأمين الممرات والمعلومات الاستخبارية لجيش الاحتلال الدخول إلى العاصمة ومحاصرتها، وكان الثمن السياسي المطلوب من هذا الاجتياح هو فرض اتفاق 17 أيار/ مايو المشؤوم عام 1983 الذي صاغته سلطة سياسية صعدت على متن الدبابات الإسرائيلية، محاولة شرعنة الاحتلال والصلح معه وتحويل لبنان إلى محمية تدور في الفلك الصهيوني.
إلا أن هذه الحسابات الفئوية سقطت أمام إرادة المقاومة والرفض الشعبي العارم لإسقاط هوية لبنان وعروبته، وأسفر هذا الاجتياح عن احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان استمر حتى عام 2000 حيث تحول الجنوب بفضل بنادق المقاومين إلى مستنقع لجيش الاحتلال وعملائه، وأُجبرت "إسرائيل" في النهاية على الانسحاب الذليل من دون قيد أو شرط، ومن دون تحصيل أي صلح أو مكسب سياسي، وتفككت ميليشيا العمالة وفرّ معظم قادتها إلى داخل الكيان.
ورغم هذه الهزيمة النكراء لم تتخلّ "إسرائيل" عن أطماعها، وعادت لتشن حرباً مدمرة في تموز/ يوليو 2006 استمرت 34 يوماً وتوغلت برياً في مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، بهدف دفع مقاتلي حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني وتطبيق القرار الدولي 1701، محاولة مجدداً الاستثمار في الأصوات اللبنانية التي كانت تبرر العدوان وتحمّل المقاومة مسؤولية الدمار وتدعو لنزع سلاحها، تمهيداً لفرض وصاية دولية تحقق ما عجزت عنه الآلة العسكرية الصهيونية.
واليوم تقوم السلطة اللبنانية بدعم أميركي وخليجي وإسرائيلي بمساعدة "إسرائيل" على تحقيق أهداف العدو، وتشارك هذه السلطة عن سابق إصرار وترصّد بقتل الجنوبيين والعمل على تهجيرهم من مدنهم وقراهم، إذ لا يعقل في ذروة الاجتياح الإسرائيلي لقرى جنوبية بعطاء الأوامر للانسحاب وترك مواقع الجيش الوطني اللبناني ليقوم باستخدامها ضد المقاومة اللبنانية والإمعان بقتل الجنوبيين، فالسلطة اللبنانية تقوم بتوفير الغطاء الرسمي للعدو الاسرائيلي وبضغط أميركي لتحقيق أهداف العدو وما قرارات الحكومة اللبنانية بنزع الصفة الشرعية عن المقاومة إلا حلقة في سلسلة من القرارات والجلسات الحكومية العلنية والمؤتمرات الصحفية، حيث تدرج مسار الالتفاف الرسمي على خيار المقاومة عبر روزنامة من الخطوات الممنهجة التي انطلقت في الـ5 والـ7 من أغسطس/ آب 2025 حين اتخذت الحكومة القرارات المبدئية الأولى بتكليف الجيش بوضع خطة زمنية لحصر السلاح متبنّية بشكل كامل منطلقات الإطار الدولي والأميركي بجدول زمني محدد لإنهاء المظاهر المسلحة.
ولم يتأخر هذا المسار في الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الميداني، إذ وافقت الحكومة في الـ5 والـ9 من سبتمبر/ أيلول 2025 على خطة المؤسسة العسكرية لبسط سلطة الدولة وحصر السلاح تدريجياً، والتي بدأت مرحلتها الأولى في جنوب نهر الليطاني لتطهير المنطقة من المظاهر المسلحة وتجريد الأهالي من عناصر الدفاع الذاتي، في وقت كانت فيه الأطماع الإسرائيلية تتأهب للتوغل البري، وهو ما اعتُبر نزعاً مسبقاً لأنياب الجنوب، وتقديم ورقة اعتماد سياسية للمحور الأميركي الإسرائيلي، ومع حلول عام 2026 انتقلت السلطة السياسية إلى مرحلة المواجهة القانونية والإدارية الشاملة لشرعنة الاستسلام، ففي الـ 9 من أبريل/ نيسان 2026 أصدرت الحكومة قراراً رسمياً يقضي بالبدء فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة وحصر السلاح في محافظة بيروت بأيدي القوى الشرعية.
وهو ما أكد عليه سلام لاحقاً بأنه لا رجوع عنه، ليتوّج هذا المسار التنازلي في الـ2 من مارس/ آذار 2026 بإعلان رئيس الحكومة نواف سلام في مؤتمر صحافي الحظر الفوري والكامل لأنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، واعتبارها غير قانونية وخارجة عن إطار المؤسسات الشرعية، وجاء ذلك عقب جلسة طارئة لمجلس الوزراء، ليشكل هذا الإعلان الطعنة السياسية الأكبر في ظهر المقاتلين على الجبهات.
إن خطورة هذه القرارات الرسمية لا تكمن فقط في شقها الدبلوماسي، بل في تداعياتها الميدانية المباشرة على الأرض، حيث تجد القرى الجنوبية نفسها اليوم متروكة لمصيرها أمام اجتياح 2024 والعمليات البرية المستمرة في ظل غياب أي مساندة من مؤسسات الدولة، التي اختارت التراجع وترك المواقع العسكرية، الأمر الذي يثبت أن الرهان على الترتيبات الأمنية الدولية أو الأميركية لم يكن يوماً لحماية السيادة اللبنانية، بل كان دائماً غطاء لإعادة صياغة التوازنات الداخلية بقوة السلاح الإسرائيلي، ويترافق هذا العدوان الميداني المستمر كالعادة مع حملات سياسية وإعلامية تشنها قوى وأطراف لبنانية تحاول إحياء السردية الصهيونية عبر تصوير الصراع وكأنه عبء على لبنان، وليس دفاعاً عن أرضه ومياهه وثرواته.
إن التاريخ يثبت بلا لبس أن الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان وتدمير حواضره وقراه هي ثابت استراتيجي صهيوني، وأن الرهان الداخلي على هذا العدو للاستقواء في الداخل أو لتوقيع اتفاقات صلح، لم يجلب لأصحابه سوى الخيبة، ولم يورّث الوطن سوى المآسي والدمار، بينما بقيت المعادلة الوطنية القائمة على قوة المقاومة والتلاحم الشعبي هي الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع السيطرة والاحتلال والتزوير التاريخي.