اختطاف مادورو وكسر القواعد: فنزويلا تكشف ضعف الهيمنة الأميركية

اللجوء إلى انتهاك قواعد السيادة والحصانة لا يحدث حين تكون هذه القواعد فاعلة وقادرة على إنتاج الطاعة والامتثال، بل حين تفقد قدرتها على تحقيق الغايات التي وُضعت من أجلها.

  • لا تبدو حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرد تطور أمني (أرشيف).
    لا تبدو حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرد تطور أمني (أرشيف).

في العلاقات الدولية، لا تُقاس القوة بجرأة الفعل ولا بضخامة الضربة ولا بقدرة الدولة على تنفيذ عملية صادمة في لحظة توتر، بل تُقاس بقدرتها على إدارة النظام الدولي الذي تعمل داخله عبر الزمن.

القوة، في معناها العميق، ليست حدثاً استثنائياً ولا استعراضاً عابراً، بل عملية طويلة الأمد لصناعة التوازنات وضبط الصراعات وتوجيه سلوك الآخرين بحيث يصبح متوافقاً مع مصالحها دون الحاجة إلى كسر القواعد التي يقوم عليها النظام نفسه.

من هذا المنطلق، لا تبدو حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرد تطور أمني أو سياسي منفصل، بل لحظة كاشفة لطبيعة القوة الأمريكية اليوم، ولسؤال أوسع يتعلق بحالة النظام الدولي ذاته: هل ما نراه تعبير عن فائض هيمنة، أم عن مأزق استراتيجي عميق في إدارة عالم لم يعد يخضع بسهولة؟

إن القراءة المتأنية لهذا الحدث في سياقهما التاريخي والسياسي تفضي إلى خلاصة واضحة: ما جرى في فنزويلا لا يعكس قوة، بل يكشف عن ضعفٍ بنيوي متنامٍ. فاللجوء إلى انتهاك قواعد السيادة والحصانة لا يحدث حين تكون هذه القواعد فاعلة وقادرة على إنتاج الطاعة والامتثال، بل حين تفقد قدرتها على تحقيق الغايات التي وُضعت من أجلها.

عندها تتحول القاعدة من أداة تنظيم وضبط إلى عبءٍ يقيّد الفعل، ويغدو خرقها فعلاً اضطرارياً لا تعبيراً عن ثقة أو تفوق. إن القوة التي تضطر إلى كسر القواعد التي صاغتها بنفسها إنما تقرّ، ولو ضمنياً، بأن قدرتها على إدارة النظام الذي أسسته آخذة في التآكل.

لسنوات طويلة، حاولت الولايات المتحدة إدارة الملف الفنزويلي عبر أدوات الهيمنة التقليدية: العقوبات الاقتصادية الخانقة، العزل الدبلوماسي، الضغوط السياسية، ومحاولات إعادة هندسة الداخل الفنزويلي سياسياً واقتصادياً. هذه الأدوات استُنفدت دون أن تُنتج الهدف المركزي، أي إخضاع الدولة من داخل النظام الدولي القائم. وحين تفشل أدوات الإدارة، تنتقل القوة المهيمنة إلى الإكراه المباشر. هذه النقلة ليست دليل حسم، بل اعتراف ضمني بالانسداد. فالاختطاف ليس سياسة بالمعنى الاستراتيجي، بل هو إعلان عن فشل السياسة وعن العجز عن تحقيق الأهداف عبر المسارات المعتادة.

هنا يبرز الفرق الجوهري بين القوة بوصفها فعلاً والقوة بوصفها نظاماً. القوة كفعل هي القدرة على التدخل والخطف والضرب والفرض القسري للإرادة. أما القوة كنظام فهي القدرة على جعل هذه الأفعال نادرة وغير ضرورية، لأن البيئة السياسية والقانونية والاقتصادية شُكِّلت مسبقاً بما يخدم مصالح القوة المهيمنة. حين تصبح القوة المباشرة هي الأداة الأساسية، فهذا يعني أن النظام لم يعد يعمل كما كان، وأن الهيمنة فقدت إحدى أهم مزاياها التاريخية: القدرة على الضبط بأقل كلفة ممكنة.

إن كسر القواعد في حالة فنزويلا لا يمكن فهمه بوصفه حدثاً معزولاً، بل هو تعبير عن أزمة أوسع في النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود. فالقواعد التي تنظّم السيادة وعدم التدخل والحصانة السياسية لم تُنشأ لحماية الدول الضعيفة فقط، بل لتنظيم الهيمنة ذاتها وتقليل كلفتها وتحويل القوة إلى نفوذ شرعي ومستدام. التزام القوة المهيمنة بهذه القواعد كان نابعاً من كونها تخدم مصالحها وتُطيل عمر نفوذها. وحين تُكسَر هذه القواعد علناً، فهذا يعني أنها لم تعد تخدم تلك المصالح، أو أن القدرة على فرض احترامها قد تآكلت. في الحالتين، نحن أمام تراجع في القدرة على الإدارة لا تصاعد في السيطرة.

في هذا السياق، يصبح استدعاء غزة وفلسطين ضرورياً لا بوصفهما السياق المركزي للمقال، بل كأمثلة تفسيرية تُظهر لماذا لم تعد القواعد تعمل كما في السابق. فالدعم الغربي غير المشروط لحرب الإبادة في غزة، وما رافقه من تعليق فجّ للقانون الدولي وتبرير انتقائي لحماية المدنيين، لم يخلق أزمة أخلاقية فحسب، بل فجّر أزمة شرعية عالمية. العالم شاهد، بالصوت والصورة، كيف تُستدعى القواعد في ساحات معينة وتُعلّق في فلسطين، وكيف يُعاد تعريف القانون الدولي وفق ميزان القوة لا وفق مبادئه المعلنة. هذا الانكسار في السردية الأخلاقية الغربية سحب من الهيمنة الأمريكية أحد أعمدتها الأساسية: القدرة على إقناع الآخرين بأن القوة تُمارَس باسم نظام عادل وقواعد عامة.

حين تتآكل الشرعية، تتغير معادلة القوة جذرياً. الردع يصبح أقل استدامة، والامتثال أقل تلقائية، والتحدي أكثر جرأة. في ظل هذا المناخ، يصبح كسر القواعد أسهل من الناحية السياسية، لكنه أكثر كلفة على المدى البعيد. ما جرى في فنزويلا لم يكن ممكناً بهذا الشكل لولا هذا التآكل السابق في السردية، لكنه في الوقت نفسه يفاقم أزمة الثقة ويُسرّع تفكك النظام الذي قامت عليه الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.

المسار ذاته يتكرر حين تفشل أدوات الإقناع وتتحول القوة إلى أداة تعويض. فحين تفقد العقوبات فعاليتها، ويتآكل العزل الدبلوماسي، وتصبح الضغوط السياسية عاجزة عن تغيير السلوك، يتحول الإكراه إلى الخيار الأخير. هذا التحول لا يدل على قوة، بل على انسداد سياسي واستراتيجي. إنه اعتراف بأن النظام القائم لم يعد قادراً على إنتاج النتائج المرجوة من داخله، وأن أدوات الهيمنة الناعمة فقدت قدرتها على الضبط.

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الكيان الصهيوني بوصفه حالة موازية لا مركز النقاش هنا، لكنه مثال كاشف على المأزق نفسه بحكم ارتباطه العضوي بالهيمنة الأمريكية. فكما في الحالة الفنزويلية، يعتمد الكيان على تفوق عسكري ساحق يُستخدم بصورة مفرطة، لكنه يفشل في تحويل هذا التفوق إلى إنجاز سياسي مستدام. الانتصارات الميدانية لا تُنتج شرعية، بل تعمّق العزلة الدولية، وتُقوّض التعاطف، وترفع كلفة الأمن. القوة العسكرية هنا تحل محل السياسة، فتنجح تكتيكياً وتفشل استراتيجياً، وهو النمط ذاته الذي يتجلى في سلوك الولايات المتحدة نفسها.

الأخطر في كسر القواعد ليس الفعل بحد ذاته، بل السابقة التي يخلقها. اختطاف رئيس دولة يكسر مبدأ الحصانة، كما أن تبرير الإبادة يكسر مبدأ حماية المدنيين. في الحالتين، تُفتح أبواب لا يمكن إغلاقها بسهولة. ما يُكسَر مرة يصبح قابلًا للتكرار، وعلى أيدي لاعبين أقل التزاماً وأكثر استعداداً للمغامرة. هكذا تتحول القوة من مُنظِّم للنظام إلى عامل تسريع للفوضى، وتفقد القدرة على ضبط المسارات التي أطلقتها بنفسها.

التاريخ الإمبراطوري مليء بالدروس في هذا الشأن. بريطانيا في أزمة السويس امتلكت القدرة على الضرب، لكنها فقدت الشرعية، فانكشف تراجعها العالمي سريعاً. فرنسا في الجزائر استخدمت عنفاً واسعاً، لكنها خرجت مهزومة سياسياً وأخلاقياً رغم تفوقها العسكري. الولايات المتحدة نفسها في فيتنام ثم العراق امتلكت قوة كاسحة، لكنها فشلت في تحويل هذا التفوق إلى نظام مستدام. في كل هذه الحالات، لم تكن المشكلة نقصًا في القوة، بل العجز عن إدارة النتائج حين تتآكل الشرعية وتتصدع السردية التي تبرر الهيمنة.

بهذا المعنى، تصبح فنزويلا هي السياق المركزي، واختطاف مادورو وزوجته هو الحدث الكاشف، فيما تُستدعى غزة وفلسطين، ومعهما تجربة الكيان الصهيوني، بوصفها أمثلة تفسيرية تُظهر لماذا لم تعد القواعد تعمل، ولماذا باتت الهيمنة تميل إلى كسرها بدل إدارتها. القوة الواثقة تُنتج نظامًا وتلتزم بقواعده لأنها تعمل لمصلحتها. أما القوة القلِقة، فتتجاوز القواعد لأنها لم تعد قادرة على الاستفادة منها.

ما تكشفه هذه اللحظة، إذاً، ليس فائض قوة أميركية، بل حدودها البنيوية: قدرة على الفعل، وعجز عن الإدارة؛ تفوق عسكري، وفشل استراتيجي؛ قوة بلا سردية أخلاقية جامعة، ونفوذ بلا شرعية مستقرة. وفي منطق التاريخ، هذا هو التعريف الدقيق للضعف.