إعادة إعمار الكيان الإٍسرائيلي
هذه السوق الحربية القائمة حاليًا هي استمرار لمبدأ مفصل على مقاس "إسرائيل" هو أن يدًا واحدة "لا تحارب"، وكل ذلك يعني أن الطوفان كان على درجة من الخطورة ضربت أساسات الكيان.
-
يحتل مصطلح "المرحلة الثانية" الفضاء السياسي العام المتعلق بقطاع غزة.
يحتل مصطلح "المرحلة الثانية" الفضاء السياسي العام المتعلق بقطاع غزة حاليًا، ولا يوجد إطار زمني واضح حتى اللحظة لتاريخ الانتقال إلى هذه المرحلة، حتى لو أعيدت جثة آخر أسير إسرائيلي.
الترقب والانتظار لا يضيف جديدًا إلى الحالة الإنسانية المتدهورة في غزة، وما يسبق دخول هذه المرحلة أكثر تعقيدًا من الانتقال الفعلي لها.
المرحلة الأولى، بكل أهميتها في وقف الإبادة الجماعية، أعطت تصورًا كافيًا حول مدى التزام الاحتلال وكيف ينظر إلى المسار بأكمله، وهو يدير الموقف أمنيًا وسياسيًا على نحو لا يمس بالعلاقة مع واشنطن، ويمنح "الجيش" مساحة "قتال محدود" ضد حماس، والأفضلية في تصميم اليوم التالي أو فرض اعتباراته الأمنية.
سيسافر نتنياهو للقاء ترامب، وستتجه أنظار كل من غزة ولبنان وسوريا وإيران إلى ما ستقرره فلوريدا (مكان اللقاء)، وكل جبهة ستنتظر تقرير مصيرها، وكل جبهة ستنال نصيبها. هناك تُدار الحروب.
المشهد برمته جزء من عملية إعادة هندسة إقليمية تجري وفق تحديات "الهشاشة الواسعة" التي كشفتها معركة "طوفان الأقصى" في بُنية المنطقة، وليس بناء على استخلاصات المعركة، إذ إن غالبية التقديرات السياسية أو الأمنية ترجح أن المعركة لم تحصد ثمارها بعد. لذلك، نسمع عن صفقات إقليمية مستعجلة يجري عقدها ضمن مساعي ما يمكن تسميته "إعادة إعمار إسرائيل".
الصفقة الأولى كانت بيع الغاز لمصر في إطار ما وصفته وسائل إعلام عبرية بأنه "أكبر اتفاق في تاريخ إسرائيل لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر بقيمة 35 مليار دولار". وبالتزامن، تم الإعلان عن صفقة السلاح الأكبر في تاريخ صادرات "إسرائيل"، عبر اتفاقية دفاع مع ألمانيا متعلقة بنظام دفاع صاروخي، يقال إن القدرة الخاصة بهذا النظام لا تتوفر للجيش الألماني حتى الآن.
تزامن آخر، تحدثت فيه تقارير غربية عن صفقة كبيرة بين "إسرائيل" والإمارات تُعد الأكبر في تاريخ الصناعات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، والحديث عن عقد دفاعي كبير يختص بـ "أنظمة دفاع إلكترونية".
ترامب أيضاً وقع على قرار منح "إسرائيل" حقوق السيادة على الجولان السوري؛ بمناسبة ما يسمى عيد الأنوار اليهودي، وعلق على هذه المكافأة الجيوسياسية الثمينة بالقول: "عملوا على ذلك 70 عامًا ولم ينجح أحد، لكنني فعلتها وبسرعة. ثم اكتشفت أن قيمتها تساوي تريليونات الدولارات". المبدأ نفسه "أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق".
كما يمكن ملاحظة أن الحماسة الغربية لقضية الاستيطان في الضفة المحتلة لم تعد كما قبل، وتراجعت حدة الانتقاد ضد بناء 19 مستوطنة جديدة بالضفة، وأيضاً ضد طرح قانون إعدام ما أُطلق عليهم "أسرى النخبة" لدى الكيان. وهم أسرى حرب مدنيون محميون بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقيات جنيف. التفسير هو "لتفعل إسرائيل ما يحلو لها".
الحديث يدور إذاً عن صفقات تسليح ودفاع هي الأكبر في تاريخ الكيان، وفي الأسابيع الأولى لوقف إطلاق النار مع غزة فيما يشبه بازار أو منتدى دفاعياً دولياً منعقداً في الظل؛ لإعادة ترميم "إسرائيل" وإبقائها القوة الأولى في المنطقة، والحفاظ على تفوقها القتالي والنوعي عبر ملء احتياطاتها من السلاح والمال.
هذا ما حدث بعد حرب 1967 التي عقدت فيها "إسرائيل" صفقة "طائرات فانتوم" التي غيّرت ميزان القوة الجوي لصالحها، وبعد حرب 1973 التي أنشأ فيها الجيش الأميركي جسرًا جويًا نقل خلاله بشكل عاجل الأسلحة والذخائر والدبابات والطائرات إلى الكيان، ومن حينه ترسخ مبدأ التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل".
وبعد حرب لبنان 1982 كان الدعم المباشر لبرامج الصواريخ والطائرات من دون طيار، ثم إجراء تحديث شامل لـ"الجيش" الإسرائيلي بإدخال دبابات "ميركافا" بدعم من الولايات المتحدة بعد مرحلة أوسلو والانتفاضتين الأولى والثانية، وصولًا إلى مرحلة الطائرة الشبحية F35 التی وفرت لـ"إسرائيل" ضمانًا استراتيجيًا طويل الأمد لتفوّقها العسكري في المنطقة، وبعد كل حرب.
هذه السوق الحربية القائمة حاليًا هي استمرار لمبدأ مفصل على مقاس "إسرائيل" هو أن يدًا واحدة "لا تحارب"، وكل ذلك يعني أن الطوفان كان على درجة من الخطورة ضربت أساسات الكيان، وأحدثت الثقب الكفيل بإغراق السفينة الكبيرة. ولذلك، ستظل "إسرائيل" في حالة حرب غير مسبوقة مع المنطقة، فهي لم تعد تبحث عن السلام بقدر ما أصبحت تتسلح للبقاء.