إبستين: سقوط القناع الأخلاقي عن المنظومة الغربية النيوليبرالية

لم تكن قضية جيفري إبستين حادثة جنائية معزولة يمكن ردّها إلى انحراف فردي أو خلل أخلاقي شخصي، بل مثّلت لحظة كاشفة لطبقات أعمق في البنية القيمية والسياسية التي تقوم عليها الحداثة الغربية في طورها النيوليبرالي المتأخّر.

  • ما تكشفه قضية إبستين ليس انهيار الحضارة الغربية فقط، بل اهتزاز صورتها عن ذاتها.
    ما تكشفه قضية إبستين ليس انهيار الحضارة الغربية فقط، بل اهتزاز صورتها عن ذاتها.

ما ظهر إلى السطح ليس فقط شبكة استغلال جنسي منظّمة، بل هو نمط من تواطؤ السلطة مع المال، ومن تداخل غير مرئي بين آليات الدولة، والنخب الاقتصادية، وأجهزة النفوذ العابرة للمؤسسات. في هذا المعنى، لا تُقرأ القضية بوصفها فضيحة أخلاقية بقدر ما تُقرأ بوصفها مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة والجسد والهيمنة داخل نموذج حضاري يدّعي أنّه بلغ ذروة العقلانية والتحرّر.

إنّ اختزال القضية في إطار "السقوط الأخلاقي لفرد نافذ" يمثّل محاولة أيديولوجية لإعادة إنتاج الوهم الليبرالي القائل بأنّ المنظومة في ذاتها سليمة، وأنّ الخلل يقع دائمًا خارجها، في الأفراد أو الاستثناءات.

غير أنّ منطق الاستثناء ذاته هو ما يكشف الطابع البنيوي للمسألة: فحين تتحوّل الجرائم إلى ممارسة ممكنة داخل فضاءات النخبة، وحين تُدار الحماية القانونية والسياسية على نحو انتقائي، يصبح الاستثناء جزءًا من آلية عمل المنظومة لا خللًا طارئًا عليها. هنا، لا يعود القانون تعبيرًا عن مبدأ العدالة الكونية، بل وظيفة ضمن اقتصاد سياسي للقوة، يُفعَّل ويُعلَّق تبعًا لموقع الفاعل داخل تراتبية النفوذ.

تُحيل القضية، في عمقها، إلى أزمة أوسع في التصوّر الغربي للإنسان. فالحداثة التي بشّرت بتحرير الفرد من السلطة التقليدية، وبإعلاء قيمة الذات الإنسانية، انتهت، في طورها الرأسمالي المتأخّر، إلى إعادة إدماج الإنسان في منظومة تسليع شاملة، حيث يُعاد تعريف الجسد باعتباره موردًا، والعلاقة الإنسانية باعتبارها قابلة للاستثمار، والهشاشة الاجتماعية باعتبارها فرصة للاختراق والسيطرة. إنّ ما يبدو “انحرافًا أخلاقيًا” في السطح هو في الجوهر نتيجة منطقية لتحويل الإنسان إلى موضوع داخل اقتصاد الرغبة والقوة، حيث تُفرغ الحرية من بُعدها التحرّري لتغدو غطاءً أيديولوجيًا لتوسيع مجال الاستباحة باسم الاختيار الفردي.

الأخطر من الوقائع نفسها هو نمط إدارتها داخل مؤسسات الدولة. فالتسويات القضائية المخفّفة، والتأخّر في الملاحقة، والتراخي البنيوي في حماية الضحايا، ثم النهاية الملتبسة داخل منظومة السجن، كلّها تشير إلى أنّ مفهوم “سيادة القانون” في الديمقراطيات الغربية ليس بنية محايدة فوق الصراعات الاجتماعية، بل هو حقل تتقاطع فيه المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية. إنّ الدولة، في هذه اللحظات، لا تظهر باعتبارها حارسة للقيم، بل باعتبارها جهازًا لإدارة الأزمات التي تهدّد توازنات النخبة. وهنا تتبدّى “الدولة العميقة” لا بوصفها سردية مؤامراتية، بل بوصفها توصيفًا دقيقًا لشبكات القوة التي تعمل في مستويات ما دون الخطاب الدستوري المعلن.

في موازاة ذلك، يتعرّض خطاب التفوّق الأخلاقي الغربي لتصدّع عميق. فالمنظومة التي تُمأسس معايير مزدوجة في السياسة الدولية، وتبرّر العنف حين يخدم مصالحها، وتُخضع حقوق الإنسان لمنطق الانتقاء الجيوسياسي، تفقد أهليتها للادّعاء بأنّها مرجعية كونية للأخلاق. إنّ الفضيحة لا تكمن في وجود الجريمة داخل المجتمعات الغربية – فالجريمة ظاهرة إنسانية عامة – بل في البنية الخطابية التي تُخفي عنفها البنيوي خلف لغة كونية مفرغة من بعدها النقدي. بهذا المعنى، لا تُدان الحداثة الغربية لأنّها فشلت في تجسيد قيمها، بل لأنّ هذه القيم نفسها جرى تفريغها من محتواها التحرّري وإعادة توظيفها ضمن اقتصاد الهيمنة.

يلعب الإعلام، بدوره، دورًا إشكاليًا في إدارة هذا النوع من اللحظات الكاشفة. فبينما تُسهم الصحافة الاستقصائية في كشف بعض الشبكات، يجري في الوقت نفسه استيعاب الصدمة داخل دورة الاستهلاك الإعلامي، حيث تتحوّل الفضيحة إلى حدث عابر يُستنفد أخلاقيًا من دون أن يُفضي إلى مساءلة بنيوية للمنظومة التي أنتجته. تُختزل القضية في أسماء وصور وتسريبات، ويُعاد إنتاجها في شكل مادة إثارية، فيما يُهمَّش السؤال الأعمق حول الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل من هذا النمط من الجرائم ممكنًا ومُستدامًا داخل فضاءات النخبة.

ما تكشفه قضية إبستين، في نهاية المطاف، ليس انهيار الحضارة الغربية، بل اهتزاز صورتها عن ذاتها. إنّها لحظة انكشاف لتناقض داخلي بين خطاب يدّعي الكونية الأخلاقية وممارسة تُدار وفق منطق القوة والانتقائية. وهذه اللحظة لا تكتسب أهميتها من بعدها الفضائحي، بل من قدرتها على فتح سؤال حضاري أوسع حول حدود النموذج الغربي بوصفه مرجعية قيمية عالمية. بالنسبة إلى مجتمعات الجنوب العالمي، التي خبرت العنف الاستعماري المباشر وغير المباشر، لا تأتي هذه الانكشافات لتؤكّد انحرافًا طارئًا، بل لتعيد طرح مسألة الاستقلال المعرفي والقيمي: أيّ نموذج للإنسان، وأيّ تصور للعدالة، وأيّ أفق حضاري يمكن أن يتجاوز منطق تسليع الإنسان وإخضاع القيم لمنظومة القوة. هنا، يتحوّل نقد الغرب من ردّ فعل أخلاقي إلى ضرورة فكرية وسياسية لإعادة بناء أفق قيمي يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية، لا مادة خاماً في اقتصاد الهيمنة.