إبراهيم شريف صوت يصرّ على البقاء رغم القمع المفروض
اعتقال الباحث إبراهيم شريف مرة أخرى يثبت أنّ مسألة حرية التعبير في البحرين واحدة من جملة القضايا الحقوقية التي لا تزال محلّ قلق وإدانة من المجتمع الحقوقي الدولي.
-
إبراهيم شريف وحرية التعبير في البحرين! (أرشيف).
يبرز اسم الباحث الاقتصادي البحريني إبراهيم شريف إلى الواجهة بعد اعتقاله في الـ 12 من تشرين الثاني/نوفمبر 2025 فور وصوله إلى مطار البحرين الدولي، على خلفيّة تصريحات أدلى بها على هامش مشاركته في المؤتمر القومي العربي في لبنان أكد خلالها ضرورة دعم الشعوب للقضية الفلسطينية. ولكنّ السلطة تقول إنها تصريحات "تمسّ بسيادة دول عربية" و"نشر لأخبار كاذبة وتحريض على إسقاط الحكومات العربية بالقوة".
لكن في القراءة الحقوقية، تندرج هذه ضمن التهم الفضفاضة والتي تستند إلى تفسيرات غامضة وتأويلات منحرفة لقانون العقوبات والتي هي الأخرى غامضة. يأتي اعتقال شريف امتداداً لنمط متكرّر في البحرين يستهدف الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وعموم النشطاء وكلّ من يدلي برأي مختلف عن الرأي الرسمي أو السردية الرسمية للدولة!
اعتقال شريف مرة أخرى يثبت أنّ مسألة حرية التعبير في البحرين واحدة من جملة القضايا الحقوقية التي لا تزال محلّ قلق وإدانة من المجتمع الحقوقي الدولي، ولا بدّ لنا أن نحثّ الدولة هنا على إصلاحها وفسح المجال للنقاش العامّ بما يشمل النقد البنّاء والوفاء بالالتزامات الدولية التي تحمي حقّ حرية التعبير.
بالرغم من وجود نصوص دستورية تحمي هذا الحقّ، إلا أنّ قوانين العقوبات والإجراءات والتفسيرات الأمنية وتفسير النيابة العامّة تظهر فجوة عميقة بين الإطار التشريعي والتطبيق العملي بما يضمن حماية الحقوق.
اعتقال شريف هو مثال صارخ لهذه الفجوة، إذ إنّ التعبير السلمي عن الرأي حتى إن تضمّن نقداً لسياسات دولة أو مؤسسة لا يرقى لأن يُعدّ جريمة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
نعتقد جازماً بأنّ اعتقال إبراهيم شريف بسبب رأيه وما ذكره في المؤتمر المذكور هو غطاء وذريعة، ولكنّ السبب الحقيقي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمداخلاته وإسهاماته النقدية وانتقاداته الاقتصادية تحديداً، حيث يقدّم خطابات نقدية متسقة ركّزت على المساءلة، الحكم الرشيد، العدالة الاجتماعية، والفساد في مؤسسات ووزارات الدولة.
على مدى سنوات، حافظ شريف على خطابه السلمي، مؤكّداً أنّ الاستقرار السياسي في البحرين لا يمكن أن يتحقّق من دون إصلاحات حقيقية تعزّز الثقة بين السلطة والمجتمع.
رسالة الأجهزة الأمنية في البحرين التي تسيطر بالمطلق على السياسة الداخلية بكلّ تفاصيلها تقول للجميع إنّ إبراهيم شريف نموذج لما يمكن تسميته بـ "استخدام الاعتقال كرسالة ردعيّة" تستهدف المجتمع المدني برمّته.
لم ولن تنجح السياسات الأمنية في إسكات إبراهيم شريف، رغم أحكام السجن الذي صدرت ضدّه والاعتقالات العديدة لم تستطع إسكاته، بل لم تستطع إسكات الكثير من النشطاء والشخصيات الوطنية ولا تزال... ولذلك تسليم البلاد لحكم الأمن والعسكر، ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي القائم على المشاركة لا على الإقصاء...
القياديّ المعارض والباحث إبراهيم شريف يصرّ على استخدام الكلمة رغم تكلفتها الباهظة وحبسه عدة مرات خلال السنوات الماضية، وكأنه يقول بأنّ التضامن العابر للحدود مع القضايا العربية أو الدولية هو حقّ إنساني أصيل، وأنّ المطالبة بالإصلاح وحقوق المواطن ليست ترفاً سياسياً وليست معارضة من أجل المعارضة، بل جزء من مسار ونضال طويل نحو بناء دولة تحكمها المؤسسات والقانون ويسودها العدل والشفافية، ومشاركة فعّالة في المجتمع المدني في فضاء مدني وحرية تعبير تشمل إسهامات وانتقادات المجتمع المدني.